مقالات اجتماعية

علم اجتماع المخيال

أ. عبدالله السليم فبراير 17, 2026

ساقت مؤلفه كتاب “مدخل إلى علم اجتماع المخيال” (فالنتينا غراسي)النزاع الذي احتدم في تأثير الصور أثناء عصر النهضة ومحاورة المفكرين الوضعيين، وكان من فحوى النقاش أن العلم تجاوز الرمزيات والتصاوير التي يدّعي أنها خارج إطار العلم، لكن ما استُحدث في تقنيات الصورة في عصر الحداثة أعاد الدفّة لصالح تأثير الصورة على الواقع.(١)

إن المكتشفات الحداثية قد أثرت في كثير من جوانب حياة الإنسان وشخصيته وعقله، ومما طاله التأثير مخياله وتصوراته وما نتج عنها من حكم وقصص وأشعار وأمثال، فقد عززت تقنيات الصورة المخيال الاجتماعي في أذهان الناس. فجنح بعض الشعوب إلى الصورة ليعبّر عن مأساته أو يتذّكر بطولات أسلافه، ولا زلنا نتذكر أثر تقنيات الصورة التي نقلت مأساة شعب البوسنة والهرسك أو كوسوفا حتى تشكل مخيال جماعي لدى المجتمع بالتعاطف معه ما لم يكن لو قُرئ خبراً في صحيفة. والناظر يتذكر حالة التعاطف -المستحقة- في عيني “شربات جولا” الأفغانية في السبعينات، ووجه فتاة النابالم الفيتنامية،

وخبر مذبحة حماه في وقت مقارب، وأيهما أشد تأثيراً وأبقى في المخيال.(٢) فكيف إذا كانت الصورة استخدمت تقنيات تفوق الواقع في تشكيل صورة معينة في مخيال الناس؟ كانت الحكايا الشعبية مجرد قصص تحملها لغة الملقي إلى خيال السامع، ولكلٍ حاله وسعة تصوره في رسم المخيال عن القصص الشعبية، لكن قصة أبي زيد الهلالي مثلًا حين مُثلت بقيت في المخيال أكثر من غيرها من القصص الشعبية، وحين أعجبهم، أعني بذلك المهتمين برسم الصور الذهنية نتائج تقنيات الصورة في تعزيز الرمزيات الشعبية، توصّلوا إلى إمكانية اختلاق رمزيات بوسائل وتقنيات الصورة، والملاحَظ على تقنيات الصورة في عصر الحداثة : أنها وحّدت صورة المخيال وانحسر المخيال الفردي لصالح المخيال الجماعي الذي حملته الصورة وتقنياتها، فالخيال عن الفضاء اتحد بعد أفلام الخيال الفضائي، ويلاحظ تضخم فعالية المخيال في الحقبة الحداثية لكثرة تعرض العقل للصورة حتى تسيّدت الصورة على باقي مداخل العقل من سمع وفكر، فضلاً أن تعبير الصورة أسهلُ مدخل يمكن استيعابه، خاصة في المخيال الشعبي، فقدمت المعاني على هيئة أيقونات كالتضحية للأم والبذل للأب، وإن مما أثرّت به تقنيات الصورة(٣) على المخيال الشعبي قولبة الحقيقة في قالب واحد، وأحياناً لم تعد تقنيات الصورة تعكس الحقيقة بل إنها تختلق حقيقة جديدة، وتنتقل تقنيات الصورة إلى أسبقية المحاكاة، فتصير الصورة سابقة للواقع، ويكون أحد أهم مدخلات المخيال ما يشاهده المرء في الصورة، وكلما كانت التقنيات أكثر احترافية كانت أبقى، فتنشأ على أثرها حكايا وقصص وأمثال وأشعار يلوكها الناس ويتمثّلونها في حياتهم اليومية.”

تحرير أ. عبدالله السليم

(١) أشارت إلى الخلاف في صفحة ٢٦ – ٢٧.

(٢) وقد حملت صورة الفتاة الأفغانية وفتاة النابالم معنى رمزياً،الأولى عن مأساة الحرب واللجوء والأخرى عن توحش آلة الحرب على الأبرياء.

(٣) يمثل لتقنيات الصورة، الصورة الفوتوغرافية وأفلام السينما.