مقالات اجتماعية
مدارس علم الاجتماع: تقابل أم تكامل؟
اعتاد دارسوا علم الاجتماع ملاحظة فروق بين مدارس علم الاجتماع على أنها متقابلة أو متضادة سواء في تركيز الدراسة حول الفرد والمجتمع، أو طبيعة العلاقة بين فئات المجتمع(صراعية أو وظيفية) أو دراسة مؤسسات المجتمع : الأسرة، التعليم…، إلا أن محور دراسات علم الاجتماع تتمحور حول تأمل وملاحظة حياة الإنسان.
تعبتر الأكاديمية الغربية “أوجست كونت” ت١٨٥٧م المؤسس الفعلي لعلم الاجتماع، وقد سمّاه ابتداء بـ” الفيزياء الاجتماعية” ظناً من أن الأدوات التي استخدمها لدراسة المجتمعات الإنسانية كـ( التأمل والملاحظة والمقارنة والتحليل…) تعطي نتائج القوانين الفيزيائية نادرة الخطأ، وقد جعل محطّ دراسته الإنسان وما اشتبك معه من مؤسسات اجتماعية وطبيعة وأسلوب عملها ومدى تأثيرها على الإنسان ثم بنى نظريته على هذا النحو، ومَن جاء بعده اختلف في تعاطيه للقضايا الاجتماعية واتفق في محورية دراسة حالة الإنسان(١)، وكان للنظريات الكبرى الشمولية -مثل اليسارية الماركسية- تلك الفترة رواج ولها اعتبار في تفسير حركة المجتمع فقامت على إثرها المجتمعات الحديثة والغربية بصورة أوضح، من بناء المؤسسات العامة وتعميم الصحة والتعليم من قبل الدولة وتنظيم حركة الاقتصاد المُوجّه
واحتكار أدوات الإعلام والتأثير(٢) فأدت تلك النظريات الاجتماعية الكبرى أثرها على الفرد وطبيعة حياته وعُدّ ذلك انتصاراً لتأثير النظريات الشمولية التي تقوم على تقديم حق المجتمع المتماهي مع المؤسسات على الفرد، لكن ما كان ظاهراً على الصورة أو مخطوطاً في البحوث الاجتماعية، يوجد خلفه فرد أو مجتمع قد لا يكون متماهياً مع أدوات النظريات الاجتماعية؛ إما لنبذه منها، أو مخالفته لمبادئه وقيمه أو أنها لا تحاكي رغباته، فصنع لنفسه مخيالاً وحياة مفارقة لما وُعد به، وربّما تشكل خلال تلك الحالة نمط حياة لأولئك القوم بما تحمله من رمزيات وما تمر به من ظروف معيشة وما تركز عليه من اهتمامات وما تتبناه من أفكار وأحيانا تنشأ خلال تلك حال الناس اليومية أنساق ثقافية مغايرة لما رُسم وخُط في تلك النظريات (٣) إذ أن النفس الإنسانية أجل وأكبر أن يُحاكم كذرة صماء ليس لديها وعي ولا تحمل مشاعر وليس لها إرادة؛ فبذلك اختلفت النتائج التي قيل عنها أنها حتمية، أما نظرة المهمشين تجاه النظريات الاجتماعية الشمولية ومؤسساتها تكمن في ترقب آمالها وانتظار وعودها والتفاعل معها.
تحرير أ.عبدالله السليم
(١) مثل دراسة حالة المنتحر عند إميل دوركايم ، والعامل عند كارل ماركس.
(٢)يظهر هذا جليا في النظام السوفيتي وما ارتبط به من المعسكر الشرقي.
(٣)لا يشترط أن تكون الظروف قاسية أو مهمشة مثل المجتمعات الرقمية والمهنية …