مقالات اقتصادية

طباعة النقود وانهيار قيمة العملة

أ. عبدالله السليم نوفمبر 15, 2025

حينما كنتَ طفلاً ربما وقعت عينك على لعبة أو حلوى لكن لم تملك النقود لتشتريها فخطرت ببالك فكرة تملّك آلة طباعة النقود وكلّما احتجت للنقود بادرت بطباعتها وأشبعت نهمتك… هذا التفكير الطفولي البريء فعلته دول ورموز وشخصيات فهوتْ قيمة عملتها؛ وكأن الورقة النقدية هي بذاتها قيمة لا ما غُطيت به من قيمة للذهب والعملات الصعبة وما صاحبها من رخاء واستقرار سياسي ونفوذ دولي، ولعلي أُعطي لمحة على زاوية مصغّرة عن مدى تأثر النقود والعملات بالأحداث والتغيرات الدولية.

من أشهر الأحداث التي طُبعت في ذاكرة كثير من المهتمين حال العملة الألمانية بُعيد الحرب العالمية الأولى وتذكر ما سرده الناس من قصص في تبدّل قيم السلع وانهيار قيمة العملة بصورة جنونية أمام السلع، لك أن تتخيل: أن المبلغ الذي تستطيع أن تشتري به منزلاً صار لا يكفي لقطعة بسكويت أو كيس رغيف مع أن النقود هي ذات النقود فلمْ تُستحدث طباعتها بعد الحرب! وقد وقعت مثل تلك الصور في دول أخرى إفريقية وأسيوية جرّاء أحداث هزت تلك البلدان حتى لكأن قيمة العملة أضعف حلقة اقتصادية في الأحداث؛ من أجل ذلك صارت قوة قيمة عملة الدول علامة وقرينة قوتها واستقرارها، وأي تلاعب بقيمتها وسعر صرفها يصيب البلد وأهلها في مقتل، وقد استخدمت بعض الدول المتحاربة أداة تزييف عملات بلد العدو سلاحاً يضعف الاقتصاد وقيمة العملة كما زيف النازيون الجنية الاسترليني في عملية “بيرنهارد” أثناء الحرب العالمية الثانية، وربما قصدت بعض الدول عدوها بمنع واحتكار آلات أو المواد الأساسية لصناعة النقود وعسّرت وصولها بهدف اضعاف عملة العدو واقتصاده وعدم استقراره، وفي هذا السياق يُذكر أن البلدان التي وقعت تحت الاحتلال النازي (هولندا -النرويج …) سارعت حكومات المنفى بطباعة عملتها في خارج بلدها لإثبات سيادتها واستمرار كفاحها وشرعية وجودها، من هذا نعرف أن طباعة النقود تعتبر أداة سياسية اقتصادية تُستخدم لإعلان أحيانا الانتصار أو الاستقلال أو بدء مرحلة جديدة ودائماً تضمت نقود البلدان شعارات ورموز وطنية تذكر بهويتها وتحاول طمس هوية أي مرحلة لا تود استذكارها…كل هذا وأكثر يقرر أن صناعة النقود عملية سياسية احتكارية لإبقاء قيمة النقد مستقر تُحاط بسرّية سواء في آلاتها وموادها وصفقاتها وظروف طباعتها.

تحرير أ.عبدالله السليم