مقالات اجتماعية

الترف والمقارنة الاجتماعية

أ. عبدالله السليم أكتوبر 18, 2025

أتذكر أن صديقاً لي قد جاوز الخمسين من مستوري الحال من الطبقة المتوسطة -شكى لي تغيرَ إحدى بناته عليه في تعاملها وأسلوبها ،وصرحت أخيراً… ياوالدي أنت فقير والعيشة التي أتمناها عيشة المترفين، وبعد النقاش معها قالت انظر للمشهور فلان وماذا يملك من الأموال؟ وماذا يسكن من القصور؟ وماذا يركب من المراكب؟ فكان جوابه الصمت!

في عصور ماضية كان إظهار النعم والتفاخر بها في نطاق أضيق مما هو عليه الآن، إذ تظل حكايا تُلاك على الألسن وتنقل ويتندّر بها من مجلس إلى مجلس، ففي العصور العباسية تذكر قصص القصور ومآدبهم وأطعمتهم، فالفالوذج يقرأ في كتب التاريخ على أنه من حلوى المرفهين ولا سند صحيح -نعرفه- نجزم بطريقهِ أن الفالوذج الذي كان يقدم في موائد القصور هو نوع من الحلوى الموجودة الآن، وأظن أن فئامًا من ذاك الجيل يسمع به ولم يره، فكيف لو كانت وسائل التواصل الاجتماعي ذائعة الصيت واسعة الانتشار بين غالب الطبقات موجودة في تلك الأزمان، إذن لعرف عامة الناس الفالوذج وأكثر منه وتشوّفوا لحياة الرفاه بنسبة أكبر، كيف لا وهم يصبحون ويمسون على مشاهد رغد العيش من شاشة جوالاتهم، وربما يعود تلقي تلك المشاهد على ضعاف النفوس من الرائين بالحسد؛ إذ تسري فيهم المقارنة بين ما يكابدون من شظف العيش، وصور النعم التي تغزو أبصارهم، فهم بين رغباتٍ لم تتحق، وآمال لم يصلوا إليها، زدْ على ذلك الحسد الذي ربما يعتريهم من احتفاء الجماهير بالمشاهير بما أظهروا من نمط عيش ومكانة اجتماعية، ومن المهلكات التي تعتري بعض متابعي المشاهير عدم الرضا بما قدّره الله عليهم من حالة معيشتهم وغياب القناعة بما قُسم لهم من الأرزاق صراحة أو ضمنا فينبذ عيشته ويوقع اللائمة والتقصير على والديه وأسرته وبيئته في أنهم سبب خموله وعدم شهرته التي يظن أنه تفتح له الفردوس المفقود.

تحرير أ.عبدالله السليم