مقالات إعلامية
مشاهير الصدفة
من المواضع التي يصعب تقبّلها وعدم جدواها أن يلتقي برنامج اعلامي مع أحد مشاهير الصدفة ليحدّثه عن نشأته والمراحل التي بناها ليصل إلى شهرته؛ وما ذاك إلا أن الشهرة عند كثير من مشاهير هذا العصر لا تتناسب مع ما لديهم من إنجازات وإمكانات وقدرات وحاصل الأمر أن لقطة لا تتجاوز ١٠ ثواني صدرته إلى مراقي الشهرة فحاول اغتنامها بأدوات “السوشيال ميديا”.
إن الأشخاص المبرّزين في حركة التاريخ لم يكن لهم أن يشتهروا إلا بما أُوتوا من قيمة وقدرات مكّنتهم أن يتفوقوا على غيرهم، إما قوة علمية أو إدراكية أو لغوية أو مساهمة وتسيّد في مجال ما، وإن مما استجد زمن “الميديا الشخصية” ظهور أشخاص ووحضورهم في المشهد الاجتماعي ولم يكن لهم أي تميز أو إضافة وغاية مالديهم لقطة جذبت مشاهدات… أحدهم اشتهر بإخراج لسانه بطريقة مضحكة، وآخر برقصة مع جسم غير منتاسق وثالث بتهجمه على الثوابت والقيم، وآخر بإيقاع الضرر بنفسه أو بغيره، وتلك دلالة أن الشهرة الحديثة لا تتطلب أي تفرد أو قيمة، ولقد كانت المجتمعات تتنافس بإخراج أفضل من لديهم من إنجازات وإمكانات وأشخاص، وأضحت بعض المجتمعات تفاخر بإبراز سفهائها، والأمر الأدهى أن يتسفّه اللبيب ويتقحم أبواب الهجوم على الثوابت والقيم وينحدر في سلم سفاسف الأمور ورذيلها؛ بغية الشهرة، بل إن الشهرة صارت هدفاً بحد ذاتها وقيمة لا وسيلة، صحيح أن النفس تتطلع إلى المجد والتميز والشهرة في الحياة، لكن المؤسف أن تتطلع إلى شهرة فارغة أو بُنيت على سوء، أتسائل أحياناً عن الأمور التي قدمت الشهرة على بقية القيم من التربية وبناء النفس، وهنا إشارات إلى مفاتح الإجابات: أظن أن الشهرة بنظر النشء هي حرق للمراحل البنائية التراتيبية للإنسان في محيطه فبين ليلة وضحاها يفقز أحدهم من أدنى السلم الاجتماعي إلى رأسه، لكن صعودٌ على أرض هشة فإذا ملّ الناس من ظهوره ألتفتوا إلى غيره إلا أن يصارع بتثبيت نفسه بارتكابه ما يوافق مزاج متابعيه، وفي جانب آخر تبرز إشكالية نظرة الناس للمشهور إذ تُوضع حوله هالة تجذب الناس إليه، وفي عصر الاستهلاك يكون الانجذاب للمشاهير ذا نمط استهلاكي استكثاري، فكلما أبرزت كمية الاستهلاك زادت المتابعات، فتجد من تُعبر عن نفسها بأرفف الحقائب والأحذية وأدوات التجميل، وآخر يحصد مشاهدات عالية باستعراض المراكب والمنازل والمقتنيات الثمينة، وقد يؤدي هذا النمط إلى توجيه الناشئة إلى جعل الشهرة هدفاً لذاتها يضحى من أجلها، ففي السابق يقال اشتُهر عن فلان العلم أو الإنفاق أو الحُكم، أما في عصر المنصات الرقمية الشخصية أصبح المشهور مشهورا لإنه مشهور، وهذا من الدور العجيب الذي أبدعته لنا وسائل الإعلام الجديد.
تحرير أ.عبدالله السليم