مقالات إعلامية
الشهرة والمشاهير: سطوة الوسيلة
في العصر الحديث يصعُب الحديث عن الشهرة والمشاهير بمعزل عن الوسائل التي أشهرتهم، حتى إن طغيان الوسائل ألقى بوهجه على حقيقة حالهم فغطّاها، أعني بذلك تلك الشاشة التي أطلّ منها المشاهير منذ التلفاز إلى شاشة الجوال على متابعيهم، سنلقي الضوء على فكرة الشهرة ووسيلتها الأظهر في الزمن الحالي وهي الشاشة.
إن مما فضّل الله به الإنسان على غيره من المخلوقات طبيعة الإدراك التي أُودعت فيه، وقد جعل الله الإدراك متفاضلاً بين الناس، فمنهم من كان إدراكه شمولياً يقوم على العقل والقلب والحواس… وإذا رأينا وسيلة الشاشة وجدناها تقوم على جزء من الإدراك وهو الحواس خاصة السمع والبصر لأنها الوسيلة المناسبة للشاشة، وقد أوجدت تلك الحالة – أعني تغليب إدراك الحواس- إشكالات متعددة منها بريق الحضور السمعي والبصري للمشهور وجعله معيار الحقيقية والنجاح بعيداً محكمات العقول وإشراقات القلوب، وأحيانا تؤدي قوة حضور السمع والبصر لدى الشاهير تأثيراً وتبديلاً لمفاهيم ما كان لها أن تتزحزح لولا سطوة الشاشة، وربما أثّرت كثرة التعرض لخطاب المشاهير على نظرتنا للأشياء والمواقف والأذواق والاختيارات وحكمنا عليها؛ لقوة الإعلام المتمركز حول الصورة ، ومنها أن حضور المشهور وتفاعله مع متابعيه بما يسمى بالعالم الافتراضي تُجرّأ على أمور لم يكن ليفعلها في العالم الحقيقي ويجعل من يتفاعل معه يتفوّه بما لا يستطيع التفوه به لوكان اللقاء حقيقياً وجها لوجه وهذا ظاهر مشاهد في السفور والتعري وما يصاحبها من دناءة(1) وفحش من المشهور والمتفاعلين معه، فتكون جرأة العالم الافتراضي خطوة للجرأة في العالم الحقيقي، ومن الإشكالات أن إدمان متابعة المشاهير يعوّد النفس على التلقي والسلبية(2)، مما يؤدي إلى تسطيح التفكير وضعف التدبير وعدم تحمل المسؤولية، وتراجع الذكاء الاجتماعي، وقلة الثراء اللغوي… الشاهد : أن غلبة الإدراك بالحواس”السمعي والبصري يولّد – لدى المتلقي من الشاشة ومن ضمنها خطاب المشاهير- كما يقول الفيلسوف طه عبدالرحمن – ثلاث علل: – علة التفرج: ويُقصد به إدمان المشاهدة مما يحوّل كل شيء إلى مجرّد صورة بلا قيمة، وعلة التجسس وهي نتيجة للتفرج ويراد بالتجسس: التطفل وتتبع حياة المشاهير وأخبارهم، وعلة التكشّف: وهي الرغبة باستعراض الذات وإظهارها للآخرين مما يؤدي فقدان خصوصية المشاهير وتطفّل المتابعين.
تحرير أ. عبدالله السليم
1. أشار إلى هذا جارون لانيير في كتابه عشر حجج لحذف حساباتك على وسائل التواصل الاجتماعي الآن.
2. من الدراسات اللطيفة ” الانفصال الكبير حماية الطفولة والعلاقات الاسرية في العصر الرقمي” وذكرت أن التلقي من الشاشة حتى لو كان تعليمياً أقل فائدة من اللقاء وجها لوجه لو كان اللقاء الوجاهي أقل فائدة خاصة في مرحة النشء وذكرت الكاتبة له علاقة بتأخر النطق والإدراك، فكيف بخطاب كثير من المشاهير الذي يغلب عليه عدم الفائدة؟