مقالات اقتصادية
المال: من النقد إلى معالم الحضارة
المال من أكثر الأشياء تأثيرًا في الحياة فعليه ارتكزت معالم الحضارة الإنسانية، وهو أوسع من كونه نقوداً، إذ المال كل ما يتموّله الإنسان، وعادة البشر تموّل ما ينفعهم، ثم انتقل العرف أن المال ما كان نقداً إما ذهباً أو فضة أو ما يقوم مقامهما، ومن العجب أن النقود لا تُقصد لذاتها بل هي مقصودة لغيرها فيُشترى ويبتاع بها منافع البشر، لذا فإن وظائف المال دائرة بين الاستثمار والادخار والاستهلاك، وسنتحدث هنا عن الاستهلاك في حياتنا كأفراد ومجتمعات.
يدور مفهوم الاستهلاك على التصرف في الشيء على وجه يفنيه يفوّت وظيفته ومنفعته، وليس كلامنا هنا التعاريف وحدودها، وإنما رصدٌ لتصخم دائرة الاستهلاك في الدائرة الاقتصادية وتأثيراته على الأفراد، فهو -أي تضخم الاستهلاك – صار من أظهر سمات المجتمعات الحديثة حتى عُرّف الإنسان كونه كائناً مستهلكاً، بعدما عرّفته المجتمعات القديمة بأنه حيوان عاقل، أو حيوان ناطق، المُلاحظ أن تعريف الإنسان في الحضارات يتجه نحو اهتمام تلك الحضارة فتُفسر الإنسان بما تريده أن يكون أو تفسره بأظهر شيء باد عليه وتسخّر جميع الإمكانات لتعزيزا ما يمتاز به، وهو ما عُبّر عنه في العصر الحديث بأن الإنسان كائن مستهلك! والحضارة المعاصرة قدّمت رؤية للحياة ومن جوانب تلك الرؤية الجانب الاقتصادي، حيث يذكر مؤلف معيار البيتكوين أن الحرب العالمية الأولى وُلد من رحمها الدولة الحديثة التي جاءت بفكرة الاقتصاد المركزي المنظم، وتفرّعت منها مدارس اقتصادية أشهرها الماركسية والرأسمالية… فاستحوذت الدولة الحديثة على وسائل الانتاج وبطبيعة الحال فإن الاستهلاك ضريع الانتاج، وعلى هذه المعادلة صار شكل الدولة الحديثة، فزيادة الاستهلاك بنسبة معينة تؤدي إلى طلب الانتاج وتلك علامة نجاح في الدورة الاقتصادية، وتمت الاستعانة بكافة الوسائل لجعل عملية الاستهلاك متنامية حتى وصلوا إلى دراسة الإنسان ودوافعه ورغباته ليجعلوا منه مستهلكاً نامياً حتى لو أدى الاستهلاك بأضرار على وظائف المال الأخرى ” الاستثمار والادخار” فتضخمت دائرة الاستهلاك، بل أصبحت الفئة المرغوبة في العملية الاقتصادية الأكثر استهلاكاً.
إن الحديث عن تفاصيل الاستهلاك متشعب طويل الذوائب، لكن الجدوى أن نمعن النظر إلى تأثير حمأة الاستهلاك على ذواتنا وما يتركه فينا من آثار… يُعتبر عالم الإعلانات المنادية للافراط في الاستهلاك قائماً على دراسة حالة وسلوك الإنسان المستهلك إذ يحاول استدراجه والتعرف على ميوله بأساليب أحيانا تكون نفسية أو اجتماعية أو فطرية، وقد نجحوا في ذلك نجاحاً باهراً والنتائج شاهدة على تضخم الحالة الاستهلاكية إذ انتقل المرء في استهلاكه من شراء ما يحتاج إلى شراء ما يمكن احتياجه إلى شراء ما لا يحتاج، فمن الجوانب النفسية – مثلا -الدافعة لحمى الاستهلاك مخاطبة عاطفة النفس بالاستحقاق الذي ينبغي أن يكون عليه المرء، أو جذب المستهلكين بحبال غرائزهم ونزواتهم، أو بث شعور للمرء بتكامل وانسحام حياته إذا اقتنى تلك السلع، وعوارض النفس ومرغوباتها كثيرة وتتبع أرباب الاستهلاك مستمر مما يصنع حالة جمعيّة استهلاكية تُشعر المرء المتزن بالنقص والتقصير، ولا عجب في ذلك فإن الثقافة النيولبرالية السائدة في المجتمع الحديث بكثافة انتاجها أصدق ما تعبرّ عن ثقافة الاستهلاك، وكما يقول ايناسو راموتيه ” الثقافة الاستهلاكية تُشعر الناس بالجوع” بل تمتد الثقافة من الإسراف في المقتنيات إلى المعاني والفنون، فالفنون في المجتمعات الاستهلاكية تشكو من طغيان رغبات الناس الاستهلاكية حتى لوكانت ساذجة، بل إن أُوار الرأسمالية وصل إلى القيم حتى تم استلاب الإنسان وتشيئه وتسليعه واستهلاكه، وقد صرحوا أن الكون وما فيه لإشباع متع الإنسان حتى عاد على الإنسان ذاته، فتُستهلك البشرية لحساب فئة من الناس ، يقابل هذا ما كانت عليه المجتمعات من جعل الاستهلاك للأمور الضرورية وفي دائرة أضيق من الاستثمار وادخار متبقي الأموال للأيام والأجيال القادمة، حتى إن منظومة المجتمع السابق تعلي من جانب المال المدخر وتحاول تضييق مصارف المال المستهلك؛ فإن المرء إذا تلبس بالمسؤولية تجاه غيره كأسرته وأبنائه قد تتقدم لديه فطرة الإبقاء للذرية على حمى الاستهلاك، وتلك حالة تبدّلت بفعل عوامل فكرية واجتماعية ألقت بظلالها على الفرد في المجتمعات الحديثة، وما فكرة الفردانية إلا جانباً من جوانب الهوس الاستهلاكي، وقد قصّ مؤلف معيار البيتكوين حالة وسلوكيات بعض منظّري المدرسة الاقتصادية المعاصرة التي بشّرت بمجتمعات اقتصادية استهلاكية، وربط مبادئهم الاقتصادية بحالتهم الاجتماعية وتصرفاتهم السلوكية التي تقدم جانب الاستهلاك على بقية جوانب التصرف في المال – ينظر كلامه عن جون كينز- ثم اندمجت الفكرة الاستهلاكية في غالب جوانب المجتمع وتطبّع به أفراده، فعلى مستوى الإعلام – مثلا- صار انتاج التفاهة مقصوداً لذاته وتضخمُ الانتاج قرين للاستهلاك؛ مما جعل النفس الإنسانية المعاصرة متضجرة ملولة من سيل…