مقالات إعلامية
المناخ القيمي في الدراما التاريخية
المناخ القيمي في الدراما التاريخية
كثيرًا ما يقع الخلط بين وقائع التاريخ وتفسيره، وهما مقامان متباينان يظهر تباينهما في التقعيد ويقتربان من حد الشعرة في القص والسرد والتمثيل! ما يعنينا هنا ما اختلط واختُلق في الدراما التاريخية بين هذين المقامين وما زِيد عليهما.
لاشك أن الدراما عامة ومن ضمنها التاريخية لابد وأن تقوم على أحداث وحبكة في الحكاية، وإلا أصبحت عبثاً ينأى عنه كل صاحب ذوق من المشاهدين، والإشكال أن في ثنايا الحبكة يدخل في تصرّف العاملين في الدراما التاريخية(من كتّاب السيناريو والمخرج و…) فيُصورن – أحيانًا – قيماً لم تكن باعثة أو حاضرة في تلك الحقبة أو أن أثر تلك القيم أضعف من أن يكون لها تأثير واضح ومباشر في مسار الأحداث التاريخية، فإن لكل عصر جمهور ومناخ عام من القيم التي تظهر بين أفراده، ولا ينفي هذا وجود جيوب وحالات نادرة من الأشخاص يتبنون غير القيم المهيمنة، فإذا قرأنا تاريخنا الإسلامي وفتوحاته علمنا من أفراد أحداث التاريخ أن باعث حركة الفتوح نشر الدعوة الإسلامية، إذن القيمة التي كانت باعثًا لحركة الفتوح الإسلامية “الدين” فلو زعم دعيٌّ أن دافع تلك الحشود وحركة الفتوح إنما هو استغلال ثروات الشعوب! أو أن دافعهم نشر حرية التعبير! فإن مناخ تلك الأحداث يدل على عدم وجود تلك القيم أو تأخر مكانتها، في المقابل لو ادّعى مدّعٍ أن حركة الاستعمار الغربي في القرون (١٥ – ١٩) للعالم هي لأجل تنوير العالم وعمارة أرضهم، رُدّ عليه من أرباب الحركة الاستعمارية في أدبيات آدم سميث وثروة الأمم! وما رسّخته الأحداث والحوادث التاريخية من نهب ثروات الشعوب، وليس المثالين من قبيل التندر والإغراب في الحديث، بل إن أفراد تلك الأفكار كانت حاضرة في الدراما التاريخية، إما تشويهًا لحقبة أو تسويقًا لحالة استعمارية، المراد: أن من مقتضيات السرد التاريخي ومنه الدراما التعرّف على الجو والمناخ والأحوال والقيم التي كانت حاضرة في تلك الحقبة التي يراد تمثيلها، ويكون هذا بـ :
تتبع تفاصيل الأحداث من قبل كاتب السيناريو ليصل بها إلى المناخ الفكري والقيمي العام الذي كان يحكم تلك المجتمعات، مثلًا: ليس من المنطق أن تأتي الحوادث التاريخية مستفيضة على حشمة النساء ووصف لباسهن أنه قد أُرخي حتى يسحب في الأرض ثم تأتي الدراما التاريخية تصور المرأة في تلك الحقب أنّها خرّاجة ولّاجة متبرجة غير محتجبة عن الرجال!
مثال آخر : إذا تتبعنا أخبار طبقة الشافعي وأحمد -رحمهم الله- ومن حولهما من الشيوخ والطلبة والمدارس والمجالس العلمية توصلنا بكثرة الأخبار إلى تصور عن الحالة العلمية المتفشية التي كانت حاضرة في قيم ذاك المجتمع وتلك الحقبة، ولا يسوغ حينئذ الانفصال في الدراما التاريخية أو تناسي أو تغييب المناخ العلمي وقيمه الحاضرة في المجتمع آنذاك، ولهذا طرق، منها: سعة الاطلاع والدراسة كما ذكرنا بالإضافة إلى قصد أحوال رؤوس القوم من الولاة والعلماء لنتعرف على الحالة القيمية السائدة في تلك الأعصار، وأستعير هنا ما ذكره ابن كثير -رحمه الله- عن حال الناس، فحينما كان الخليفة الوليد بن عبدالملك مهتماً بالعمارة والبناء كان حديث الناس كم بنيت وماذا عمّرت؟ وكانت همة أخيه سليمان النساء ، كان سؤال الناس كم تزوجت وماذا اشتريت من السراري؟ وكانت همة عمر بن عبدالعزيز الصلاة وقراءة القرآن كان هم الناس كم وردك وماذا صليت من الليل؟ فمن المجحف أن لا تذكر الدراما التاريخية مثل تلك الأحوال إذا قصدت تصوير تلك الحقبة أو شخصية فيها.
من الأمور التي يتوصل بها إلى معرفة المناخ القيمي المهيمن في أي حقبة تاريخية معرفة حالة المجتمع من فقر، أو غنى أو توحيد أو تشرذم أو فتنٍ أو استقرار، ومعرفة النواحي التي تطغى عليها تلك الحالة، والنواحي التي لم تعش تلك الحالة، فحالة أهل المدينة عام الرمادة مختلفة عن حال أهل مصر والشام والعراق، وما يكتبه العلماء والمؤرخون عن حالة القوة والتمكين غير ما يُكتب زمن الوهن والاستضعاف، فمعرفة التبدّل بين الأحوال معتبر في السرد التاريخي، يقول ابن خلدون -رحمه الله- منبهًا على هذا المقام :
“ومن الغلط الخفي في التاريخ: الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم والأجيال بتبدل الأعصار، ومرور الأيام وهو داء دوي شديد الخفاء إذ لا يقع إلا بعد أحقاب متطاولة فلا يكاد يتفطن له إلا الآحاد من أهل الخلقية؛ وذلك أن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة، سنة الله التي خلت في عباده “