مقالات إعلامية
ملايين الدراما التاريخية: أي هدف وراء الإنفاق؟
ماذا لو قيل لك أن حلقة من مسلسل تاريخي تفوق تكلفتها مئات الآلاف من الدولارات وأن الدقيقة كلّفت كذا وكذا من الأموال، فهل يُعقل أن هذه التكاليف لهدف سطحي بسيط ؟
المتابع اليقظ لما يطرح في الدراما التاريخية يجد أن هناك أهدافًا بينة وأخرى مستترة، وثالثة تبنى في نفس المشاهد فتؤدي نتائج يصل إليها المشاهد تباعًا، ومن أظهر ما يستشعره المشاهد للدراما التاريخية بناء أو تعزيز جانب الهوية للأمم المستهدفة؛ فلا تعرف دراما تاريخية لأمم بائدة ليس لها وارث، ولهذا الدافع -الهوية- رموز ومظاهر وشخصيات تبدأ باللباس ونمط العيش ولغة اللسان بل الحِكم والأمثلة والتصرفات… فرفع القبعة أسلوب تحية في الثقافة الإنجليزية لكنها ليست كذلك في غالب الثقافات، المراد أن ما أشاعَ هذا الأسلوب استخدامُه في وسائل الإعلام ومنها الدراما، وهناك من العادات والتقاليد والأمثال الشعبية ما يشيعه ويصل بسنده من الأمة السابقة إلى الأمة اللاحقة ما يطرح في الأفلام والمسلسلات التاريخية.
ولكي نفتح نافذة على أهداف الدراما التاريخية: تخيل أنك جالس في مقعد منتج أو مخرج أو كاتب السيناريو في الدراما التاريخية! لتتفهم هدف كل فريق من أهل الدراما التاريخية فكاتب النص الدرامي -مثلاً- يروم ذكرى حدث أو حقبة أو شخصية تاريخية ويحاول ملء هامش الحدث التاريخي بما يراه من تفسير لذلك الحدث، ومثله المخرج والمنتج فربما أرادوا أن يُقرأ الحاضر بمرآة الماضي حسب رأيهم، وأحيانا يكون الدافع موجه و”ترند” يستخدمه أهل الدراما التاريخية للوصول إلى رؤيتهم وأهدافهم، فيُضخم جانب في التاريخ ويتناسى جانب كان أظهر وأولى في سياق الحدث التاريخي وكتبه، وقد استُخدمت الدراما عامة والتاريخية منها كأداة ناعمة في التأثير وصياغة التصورات التي تُبنى منها مواقف إما تأويلية للحدث التاريخي أو تبريرية، وأحيانًا يهدف أرباب الدراما التاريخية إلى بناء ذاكرة تاريخية للقومية؛ إذ أن من ركائز الهوية القومية التاريخ المشترك والموقف من أحداثه وصراعاته، وأقلها استبقاء الحق في تفسير الأحداث التاريخية من خلال أداة الدارما التاريخية، وقد تهدف الدراما التاريخية إلى أهداف رأسمالية موسعة غير مباشرة ولو استعرنا تفسير “بيير بورديو” لأنماط رأس المال الثقافي والاجتماعي والاقتصادي وكيف يرتبط كل نمط بالآخر؟ لوجدنا ذلك ظاهراً في الدراما التاريخية، وأظن أن القارئ الكريم يستطيع أن يمثّل لكل باعث وحافز للدراما التاريخية بمثال أو أكثر ولولا أن الأمثلة مجلبة للجدال لضربنا لكل نقطة شاهدا ومثالاً.