مقالات إعلامية
الدراما التاريخية: من سرد الذاكرة إلى صناعة الربح
الدراما التاريخية: من سرد الذاكرة إلى صناعة الربح:
على مقاعد الدراسة، غالبًا ما تُعد مادة التاريخ من المواد غير المحببة لدى الطلاب، على اختلاف أعمارهم وبيئاتهم وثقافاتهم.
لكن، لماذا يُقبل الجمهور بشغف على التاريخ حين يُقدَّم عبر الدراما؟
فعلى المستوى الفردي، تُحقق الدراما التاريخية أرقامًا لافتة؛ فالمسلسل البريطاني الذي تناول سيرة الملكة إليزابيث الثانية تجاوز 66 مليون مشاهدة، بينما حقق العمل البريطاني الذي صوّر صعود توماس شيلبي ما يفوق 61 مليونًا. وساهم المسلسل الذي جسّد حياة الأميرة شارلوت في رفع عائدات السياحة البريطانية بأكثر من 5 ملايين جنيه إسترليني.
أما في الصين؛ فقد تجاوزت مبيعات المنتجات الرسمية—وهي المقتنيات المُرخّصة التي تُجسّد شخصيات العمل أو رموزه، مثل المجوهرات، والأزياء، والدمى—لعمل درامي خيالي يصوّر صراعًا إمبراطوريًا بين أميرة ونائب الامبراطور أكثر من 21 مليون يوان صيني، ما يؤكد ما لهذا النوع من السرد التاريخي من طاقة اقتصادية وثقافية متنامية حين يُقدَّم بلمسة إنسانية وبراعة فنية.
وتُضاف إلى هذه القائمة ظاهرة المسلسل الأمريكي Game of Thrones، الذي استلهم أجواءه من عصور أوروبية مظلمة وخيالية، وجمع بين النزاعات السياسية والسرد الأسطوري في إطار سردي تاريخي الطابع؛ فقد تجاوزت مشاهداته الإجمالية 19 مليون مشاهد للحلقة النهائية عند عرضها الأول، وسُجّلت تفاعلات جماهيرية عاطفية واسعة النطاق، عبّر فيها المشاهدون عن الحزن والغضب والانبهار وحتى الانقسام. وهو ما يؤكد قدرة الدراما التاريخية على توليد شعور جماعي عابر للثقافات، حين تُلامس مكامن العاطفة بذكاء.
فما السر إذن؟
أول ما يدفع المشاهد إلى أحضان الدراما التاريخية هو ( الرغبة في الهروب من الحاضر ) نحو زمن آخر. عالم موازٍ لا يُشبه ضجيج اليوم، بل يعرض سياقات حضارية مختلفة، بأنماط لباسها، وأصواتها، وأعرافها. في هذا الهروب، شيء من الفضول المعرفي ، وشيء من الحنين الغامض لما لم يعشه المرء.
وتأتي ( جمالية المشهد ) ثانيًا؛ من الأزياء المصمّمة بعناية، إلى القصور والأسواق القديمة، إلى الإضاءة التي تخلق من الماضي لوحة متحركة. كلها عناصر تُدهش العين، وتشبع الحس الجمالي لدى الجمهور.
لكن ما يعلو فوق الصورة، هو ( الحمولة العاطفية ) التي تصنعها الدراما التاريخية حين تُقدّم شخصياتها على هيئة بشر حقيقيين لا رموز مثالية. وقد عبّر كثير من النقاد والمتابعين عن مدى التأثر العاطفي بمسلسلات مثل Game of Thrones، التي زَرعت في الذاكرة مشاهد من الألم والفقد والخيانة والانتصار، بأسلوب يُشعر المشاهد كما لو كان أحد أبناء تلك الحقبة. هذه القدرة على استدعاء الانفعال العميق هي ما يجعل الدراما التاريخية أكثر من متعة أو مجرد ابهار بصري.
وقد أظهرت دراسات في السلوك الثقافي أن المشاهدين يميلون إلى تفضيل الأعمال التاريخية التي توازن بين الدقة والحبكة، وتُقدّم شخصيات غير مثالية، بل معقدة مثلهم، تخطئ وتتعلم، تحب وتفقد، تنتصر وتنهزم.
ثم تأتي ( الرغبة في التعلّم من دون تلقين )؛ فالدراما التاريخية لا تقدّم التاريخ كوقائع جافة، بل تُعيد بناءه بلغة إنسانية تفاعلية، حيث تتداخل القيم بالعاطفة، والمعلومة بالابهار، والهوية بالسرد والحبكة.
قد لا يكون الشغف الجماهيري بالدراما التاريخية نابعًا من تعلّق أصيل بالتاريخ ؛ بقدر ما هو انعكاس لحاجة السوق إلى منتج يجمع بين المتعة والمعرفة، الجاذبية البصرية والعاطفة الرمزية. إنها صناعة تُغذّي فضول الإنسان للحكاية، وتُعيد تدوير رموز الماضي لتُباع بلغة الحاضر. وكلما زاد هذا الشغف، زادت قيمة المنتج، وارتفعت حصة المشاهدة، وتحوّل التاريخ نفسه إلى سلعة قابلة للتسويق، تُلبِّي حاجات الجمهور وتُرضي شهية المنصات.