مقالات إعلامية
وهج الدراما التاريخية ومنافسات المشاهدة
في السنوات الأخيرة بدى للدراما التاريخية وهج وانجذب إليها فئام من الناس من متابعي منصات المشاهدة حتى أصبح لبعض المسلسلات التاريخية موعدٌ لا يُتجاوز، ومن المثير استعارة أدوات المنافسة الرياضية بين المسلسلات التاريخية، مثل قولهم: “الديربي بين مسلسل كذا Vs مسلسل كذا” وبعضهم ينتج حلقة تحليلية لأحداث المسلسل، فما الذي جعل الأفلام والمسلسلات التاريخية في رتبة متقدمة في فضاء الدراما؟
ذكرنا في منشور سابق سعة مفهوم الدراما التاريخية، ونسرد هنا ما أملته علينا الملاحظة وصدّقته الظواهر عن تصدّر نمط المسلسلات والأفلام التاريخية، وتفسير اهتمام الناس بها، منها: أن الدراما مع ما فيها من متعة وترفيه تزيد عليها الدراما التاريخية في معرفة أحداث تاريخية وعرض تفاصيلها وتثقيفٍ في سياقات الحدث التاريخي المعروض، وربط تفاصيل الأحداث التاريخية وأسبابها بمسبباتها -حسب رأي كاتب السيناريو- وتفسيرها تفسيراً بسيطاً يناسب وقت الفيلم/المسلسل التاريخي، فيُخدع المشاهد -أحيانا- بأن حركة التاريخ وتفسير سننها بهذا اليسر وتلك السهولة، وتلك طبيعة بشرية فإنها ميّالة إلى التفسيرات المباشرة أكثر منها إلى المتأنية والعميقة، وإذا نظرنا إلى أشهر فن أدبي في العصر الحديث وجدنا الرواية متصدرة وهي لا تبتعد كثيرا عن النص الدرامي التاريخي، فكأن الأفلام والمسلسلات التاريخية مرحلة طبيعية من تصدّر الرواية في العصر الحديث، بل تفوقت الأفلام والمسلسلات التاريخية على الرواية بما أُوتيت من تقنيات لا نقول شابهت الواقع بل تفوقت عليه، ومن أوجه تفوق الدراما التاريخية على غيرها رصانة الحكاية، واستفراغ جهد كاتب السيناريو في سد فجوات هيكلة الحدث التاريخي بما يخدم السياق، والمحترف من كتّاب السيناريو من ضمّنها قواعد حركة تفسير التاريخ، وكيف تسير سننه! وهو جواب على سؤال واهتمام مضمر لدى غالب المهتمين بالتاريخ؛ فإن معرفة الماضي “التاريخ” تساعد على استشراف المستقبل وتعطي النفس الإنسانية مسحة طمأنينة لما يُظن وقوعه غداً، مع أن هذه الفكرة الخطأ فيها غالب والصواب فيها قليل، ومما يدفع الأفلام والمسلسلات التاريخية للمقدمة تصاعد خطاب الهوية والقومية لدى كثير من الشعوب، فيأتي دور المسلسلات والأفلام التاريخية معززًا ومتوافقا مع التيار القومي ومحافظا عليه كما يظن “المتلقي” ومدرًّا للربح كما يراه المنتج، وأحياناً ليست قيمة الربح اقتصادية مباشرة بل تكون غنيمة ثقافية تمهّد لمرحلة اقتصادية وسياسية، وتكون إحدى أدوات النفوذ الأفلام والدراما عامة والتاريخية منها خاصة، وفي الجهة المقابلة قد تكون الدراما التاريخية أداة لدفع الهيمنة، ولا يغيب عن ذاكراتنا فيلم: “عمر المختار” التاريخي وأصداؤه الحماسية في أرجاء الوطن العربي والإسلامي، فماذا لو كان لكل مناضل وبطل دراما تحكي حياته ونضاله؟… ومما صدّرته الدراما التاريخية: الحنين إلى الماضي فمع سرعة التقنيات والمتغيرات صار الإنسان مجهداً مستهلكاً فلم يعد للمقتنيات الحديثة ذلك الوهج الذي رأيناه في الثمانينات والتسعينيات من القرن المنصرم بل انصرف الوهج إلى كل ما يُذكّر بالماضي في المتاحف والبيوت والمقتنيات القديمة؛ أذ إن سرعة الحياة الحديثة أرهقت الإنسان فصار يبحث عن الهدوء وكل ما يذكّر به، عزز هذا السياق اهتمام الناس بالتعرف على طبيعة ونمط عيش السابقين عبر نوافذ منها الأفلام والمسلسلات التاريخية، بل إن بعض التجمعات انزوت وآثرت نمط المعيشة البدائي على نمط الحياة الحديثة مثل الإيميش في أمريكا قبائل الباجو في اندونيسيا والمينونايت في الأرجنتين… مما جعلهم صورة تكميلية لما يشاهد في الأعمال التاريخية، وفي سياق المجتمعات فإن الفلكلورات والرمزيات الشعبية الثقافية المنحوتة من الذاكرة الشعبية كاللباس والأهازيج وبعض المناسبات مثل مجالس المآتم والمظلومية أو مهرجانات الانتصار تزيد الاهتمام بالدراما التاريخية.
تحرير أ.عبدالله السليم