مقالات اجتماعية
نشأة نظام الأسرة وأسسه
ما إن خلق الله أبانا آدم عليه السلام ثم خلق الله حواء منه لتؤانسه في حياته، ومن تلك اللحظة نشأت الأسرة وتكوّن نظامها ووُضعت أسسها.
بُني نظام الأسرة في البدء على امتثال التوجيه الرباني وما يصلح أفراد الأسرة في دينهم ودنياهم وتصحيح ما يطرأ عليهم من المخالفات، فكانت أولى اللبنات لكيان الأسرة وأعظم حاجة لدى أفرادها حاجة التعبد والتأله ومن تلك يُفسر أن الدين حاضر في كل المجتمعات البشرية وفي هذا عبارة مشهورة متناقلة للمفكر علي عزت بيجوفيتش، وأن ظاهرة الخروج من الدين استثناء مخالف للأصل – إن سلمنا بوجوده واقعًا – وما المجتمعات إلا كيان يضم أسراً وعائلات، وقد أكّد الإسلام ووثّق الصلة بين العائلة وتكوينها على أساس ديني وبناء العلاقات داخل أفراد الأسرة بمرجعية يحكمها الدين؛ ففي الخطبة والزواج أُمر أن يُظفر بصاحب وصاحبة الديانة، وإذا وفق الله ميثاق الزواج كان مبدأ احتساب الأجر في التربية والنفقة مما حثّ عليه الإسلام ورغّب، وإذا وُلد لهم سعوا أن يكون الولد وسيلة إلى الاستكثار من الأجور وربما الفوز بالجنة وأثراً يبقى لهم بعد الرحيل… كل تلك المعاني إنما جاء وحثّ عليها الدين، ومن اللبنات التي تشكل نظام العائلة ما تحويه الأسرة من معانٍ اجتماعية تحافظ وتقوّي نظام الأسرة إذا اعترضه ما يؤثر أو يقدح في كيانه، من تكافل للمعوز والفقير ورحمة للمسكين ونصرة وعِزوة للضعيف ومحاولة لإصلاح الخلل إذا بدت معالمه كالإصلاح بين الزوجين قبل الإنفصال أو قيام أفراد من المجتمع مقام العائل إذا غاب أو فُقد… والمعاني الاجتماعية أكثر من أن تعدّ في أسطر، والمغزى أن من وظائف المجتمع تقوية الأسرة وبقائها، والأسرة – أيضاً- هي الوعاء الذي يوّرث الثقافة والمفاهيم من جيل إلى جيل، أكانت المفاهيم حسنة أم سيئة، وفي التاريخ يذكرون في تراجم بعض الرجال ” نشأ في بيت علم” وتوصف بعض الأسر بـ “بيوت العلم” لأن الأسرة ورثت العلم لأبنائها وهيأت لهم البيئة المناسبة يتبين من هذا أن الأسرة من أقوى وسائل المحافظة على الموروث الديني والثقافي، ومن اللبنات المؤثرة في بناء الأسرة الجانب التربوي لدى أفراد الأسرة بدءً من التنشئة الصحيحة المعتدلة للأبوين ومحاولة تنشئة الأبناء نشأة متكاملة دينيا ونفسياً وصحياً؛ ليكونوا عوامل صلاح في مجتمعاتهم.
هذا وإن ماذُكر يعتبر حالة تقترب من المثالية في تكوين العائلة؛ وقد بدأ الضعف في المجتمعات البشرية يدبّ في مؤسسة الأسرة والعائلة تحت ضغط القوانين والأنظمة خاصة في البلاد الغربية، وما نسمعه يوماً بعد يوم في تلك البلدان من استحداث قوانين للأطفال وأخذهم قسرا من عائلاتهم، وقد ألمح الدكتور عبدالوهاب المسيري لهذا حين تحدث عن تغوّل الدول الحديثة إلى آخر كيان وهو كيان الأسرة والعائلة، ومما أضعف وأثّر في كيان الأسرة العوامل الاقتصادية وتبدّل الأدوار في داخل الأسرة، وتراجع عوامل التأثير الإيجابية في كيان الأسرة لأجل الوضع الاقتصادي، تسرد كاتبة كتاب”خدعة الأنثوية الرهيبة” مسيرة التبدل والانتقال فتقول: في زمن جدتي كان من الشائع أن تعتني المرأة بأطفالها، وفي جيل أمي فالغالب على النساء العمل خارج البيت هكذا شجعني والديّ لأكون أكثر اهتماماً بالعمل.
تحرير أ. عبدالله السليم