مقالات إعلامية

الدراما التاريخية وجدل رمضان

أ. عبدالله السليم فبراير 26, 2025

الدراما التاريخية

ما إن يقترب شهر رمضان المبارك إلا وتأتي شركات الإعلام بمجموعة مسلسلات، كثير منها “مسلسلات تاريخية” فيصحبها الجدل المعتاد عن جدواها وطبيعة الأحداث التي تطرقها والدقة التاريخية لأحداث المسلسل.

إن مُشاهد الدراما التاريخية يستطيع أن يستنتج أهم سمات الأحداث التاريخية التي يقع عليها الاختيار، ومنها: أن تكون في زمن ماضٍ-وهذه بديهية – لأن الدراما التي تصور الحياة المعاصرة واقعية، وستكون يوما ما “تاريخية” تؤرخ هذا الزمن، ومنها أن الدراما التاريخية تركّز على نمط من الأحداث تميزت عن السائد، إما ببطولة أمم وجماعات وأشخاص ساهمت تلك الأحداث بشكل واضح بالتأثير على الواقع الذي جاء بعده؛ فالكاتب لا يقصد احداثاً جانبية وقعت على هامش التاريخ وإنما يقصد عظائم الأمور، مثل الدراما التي قصّت نشأة الدول العباسية والعثمانية أو قصّت حياة أئمة المذاهب الأربعة، ومن الاستنتاجات التي تبدو ظاهرة: مراعاة فكر واهتمام المشاهد في اختيار تلك الأحداث بحيث يكون الحدث أو الشخصية ذات وشائج وروابط تجمع الشخصية التاريخية والمتلقي، مع أن هناك نماذج من الدراما التاريخية اكتسحت العالم ولا رابط واضح بين العارض والمشاهد من الأمم الأخرى، ولعل هذا لعوامل أخرى خارج نطاق الدراما،مثل الدراما التاريخية الأوروبية، ومن تلك الاستنتاجات وغيرها نعلم ماذا يُراد من الدراما التاريخية؟

لأول وهلة قد يُقال أن الدراما التاريخية هي التي مزجت بين المتعة والتعلم، لكن إذا تعمقت فيها وجدت أهدافًا أكثر أهمية لدى صانع الدراما التاريخية أو القائم عليها، وأشهر أهدافها تعزيز الانتماء القومي والهوياتي بالتغني بالأمجاد الماضية؛ حيث تجذب الدراما التاريخية رغبات وميول الأمم الحاضرة بالحديث عن بطولات أسلافهم الماضية وتحكي وتفخّم واقع الحياة الذي كانوا عليه، وهذا كثير في الأمم التي أفل زمانها مثل بعض الدول الأوربية، فلا يبقى لديها إلا التغني بالزمن الجميل، وفي المقابل فإن بعض الأمم والجماعات والدول المتسيّدة في عالم اليوم تقص حكايتها التاريخية البائسة وهذا ظاهر في الدراما التاريخية الشرق آسيوية حين تسلط عليهم المستعمر الخارجي وسامهم سوء العذاب، وأحيانا يُراد من الدراما التاريخية التذكير بالماضي المشترك لردم جسور الهوة في المستقبل، ولسان حالهم: بأن ماضينا واحد فلا بد للمستقبل أن يكون واحدًا ويستخدمون في هذا القصد أدوات كالرجوع إلى شخصيات أو لغة جامعة بين تلك الجماعات؛ لأجل هذا فإن الدراما التاريخية تُعتبر أداة للترويج الثقافي العميق لدى أولئك الذي يهمّهم الانتماء والهوية، ومن نافلة القول في ذكر الدراما التاريخية التي يكثر الحديث والنقاش عنها أن الحبكة في العمل الدرامي أصل، وأحداث الدراما التاريخية تبع يدخلها التحريف من زيادة ونقص وتقزيم وتضخيم فلا يصح أن يُظن أن الدراما التاريخية وثيقة تاريخية.

تحرير :أ. عبدالله السليم