مقالات إعلامية
الأنمي ورأس المال الثقافي
الأنمي ورأس المال الثقافي
ابتكر المفكر وعالم الاجتماع الفرنسي “بيير بورديو” أشكالاً متعددة لرأس المال وأخبر أن لكل شكل سمات، فالأول رأس المال الاقتصادي ثم رأس المال الاجتماعي فرأس المال الثقافي ورأس المال الرمزي، ثم فلسف علاقة أشكال رأس المال وأثرها في الواقع… حديثنا هنا اشتباك رأس المال الثقافي بالاقتصادي في أفلام الأنمي وتأثرهما في باقي الأشكال.
يعتمد رأس المال الثقافي على المعرفة والمهارات والآداب والفنون والعادات النابعة من مجتمع “ما” والمُشكّلة لثقافته إذ تتخذ أساليب لبث ثقافته بكل مكوناتها، وأحيانا تكون أساليبَ “خشنة” كالغزو العسكري والاحتلال المباشر، وأحياناً تكون أساليبَ “ناعمة” وهو المُفضّل في الجانب الثقافي باعتباره يرتكز على الجوانب المعرفية، ويتخذ وسائل عدّة ولكل زمانٍ أدواته ووسائله، ففيما مضى كانت ترجمة المعرفة والآداب الثقافية تعتبر أداة ناجعة لإنشاء رأس المال الثقافي، وكلما استجدّت الحياة وتغيّرت وسائلها تنقّلت الثقافة من وعاء إلى وعاء، وتشكّلت الفكرة من قالبٍ لآخر، ومن بعد الترجمة كانت الآداب من مسرحياتٍ وقصص وروايات حمّالة لمعتقدات ومعارف وثقافات أممٍ إلى شعوب أخرى، ثم تطوّرت التقنيات والأدوات المرئية التي تشكّل رأس المال الثقافي فدخلت الأفلام والسينما… ومن ضمن ما أُولي بالاهتمام “أفلام الرسوم المتحركة ” حاملةً معها كومة من ثقافات وآداب وفنون صنّاع الرسوم المتحركة إلا أن الأنمي بمفهومه الشعبي استحوذ وتقدّم على بقية أفلام الكرتون وأصبح يسوّق لمعتقدات وثقافة وآداب اليابان، والراصد لملف الأنمي يجدُ بذلاً لا محدودًا، وأموالاً طائلة في صناعة الأنمي، وهنا نستصحب معنا مفهوم “بيير بورديو” في أشكال رأس المال وأن البذل في شكلٍ تأتي أرباحه في شكل آخر وأن العلاقة بين أشكال رؤوس المال تحويلية غير قابلة للاستبدال، فأرباب صناعة السينما ومثله الأنمي يبذلون من شكل رأس المال الاقتصادي المتمثل في المال والموارد والبُنية التحتية وبناء المدن الإعلامية وتبنّي الرموز الفنية لتكون واجهات إعلامية، وتهيئة وإنشاء القنوات ومنصات المشاهدة ودعم الجوائز الإعلامية وتسهيل كل مهام المنظومة في كافة المجالات.
أتذكر في هذا الصدد مشاهد أفلام “سيلفستر ستالون” المشهور بـ (رامبو) والامتيازات التي كانت أداة رئيسة في نجاح أعماله من طائرات ودبابات ومروحيات وجيوش التي لا تكون متاحة إلا لدول، وما ذاك إلا لتسويق البطل الأمريكي الذي لا يُقهر! فحضور رأس المال الاقتصادي تُجنى أرباحه في رأس المال الثقافي وغيره من أشكال رأس المال، ومثله في صناعة أفلام الأنمي، إذ يُذكر أن تكلفة الحلقة الواحد ١٠٠ ألف دولار، لكن الاقتصاد الياباني يجني أرباحاً مضاعفة مباشرة وأخرى متحولة في شكل من أشكال رأس المال الأخرى سواء رأس مال اجتماعي أو رمزي أو ثقافي بما تحمله أشكال رأس المال معتقدات ومعارف وآداب وفنون وأنماط عيش يتم تسويقها على شاشات الأنمي، ويشهد لذلك الرحلات السياحية التي تقصد ما له علاقة بأفلام الأنمي ومتاحفه، بل أصبح بين رابطة متابعي الأنمي مصطلحاتٍ خاصة وأفكارًا وأساليبَ تصرّف متشابهة، وهذا من أهم نتائج رأس المال الثقافي وهو تسويق الثقافة والولوج للشعوب بالقوة الناعمة وتمرير الأفكار المخالفة أحيانا للمجتمعات الأخرى مثل مفهوم الخير والشر وتطبيع بعض الأفكار مثل “الشـ * ـذوذ والمثـ * ـلية” والعجب لسان حال الرائي إذا قال: لن تؤثر مشاهد كرتونية على معتقداتي وقناعاتي وأفكاري!
فلمَ كل هذا البذل والدعم في تلك الوسائل؟ وما ذاك إلا لأهداف أكثر ربحيّة سواء مباشرة أو متحولة لأشكال أخرى وأظهرها الثقافي، والواقع يشهد تحلحل القناعات والأفكار جرّاء تأثير ما يُعرض على المرء في الشاشات، وربما كانت القناعات التي تبث في أفلام الرسوم المتحركة قناعات تأسيسية في فؤاد مشاهديها من الأطفال والمراهقين فتكون أشد خطراً من قناعة ثابتة يُراد تبديلها، وهنا تساؤل: ما الشكل الرأسمالي الأسمى الذي يُبث في أفلام الرسوم المتحركة؟ هل هو شكل رأس المال الاقتصادي أم رأس المال الثقافي؟ ربما يكون المُقدم مختلفاً حسب اختلاف أصحاب المصلحة، فأصحاب الرسالات يجعلون رأس المال الاقتصادي خادماً لرأس المال الثقافي مع وجود الحد الأدنى من الربح الاقتصادي، وأصحاب المصالح الاقتصادية يكون الجانب الثقافي خادماً لمصالحهم الاقتصادية مع وجود الحد الأدنى من التبرير الثقافي.
تحرير:
أ. عبدالله السليم