مقالات تاريخية
كيف وُلد الانتماء القومي؟
تخيّل نفسك فرداً منتصفَ القرن التاسع عشر تقطن أوربا أو الشام أو العراق أو مصر أو اليابان ومرّت عليك شعارات تنادي وتدعو للإنتماء لقوميتك! يَردُ عليك تساؤل، ألستُ فرداً منهم؟ فما الداعي إلى إعادة الانتساب مرة أخرى؟ والمرّغب إلى إجابة تلك الدعوة والاستجابة لها والانتماء لجماعتها والذود عنها والتضحية في سبيلها؟ ماالذي دفع ملايين البشر مشارق الأرض ومغاربها أن تتنادى بقوميّتها وتستجيب لها؟
إن البحث في دوافع السلوك والتصرفات الإنسانية الشائعة -في وقت ما- تنبئ عن حالة وظروف ووعود متشابهة، نحاول أن نرتدي ونتمثّل تفكير ذاك الجيل الذي نادى وناضل وتغنّى بقوميته، ونتحسس شيئاً من دوافعه. إن الغريزة الإنسانية عامة وفي تلك الأيام أكثر حاجة أن تروي نهمها بالاجتماع والتعارف والإطّلاع غلى الغير ومحاولة تتبع أكثر عدد يشابهها ثم يتعصّب لها وهو ما يُسميه ابن خلدون العصبية للقوم التي تُظهر الاعتزاز بالذات وهذه أُولى ما نادت به القوميات ثم اتخذت بعد ذلك وسائل تناسب حالها فالأمم المنتصرة المهيمنة والغنية جعلت التوسع والرفاه ورغد العيش الذي تحياه أقوى دعاية قومية فاضلة لأتباعها، وأحيانا تتخذ الخطابات القومية التي تُقبل عليها الجماهير أدوات معنوية كالخطابة بنقاء عرقٍ أو جنس وادّعاء علّوه على بقية البشر أو الدعوى بالخصوصية المثالية في تلك القوميات، وظلت الفكرة القومية من أكثر الأفكار حماسة واشتعالاً في القرنيين الماضيين فأجهزت القوميات على أنقاض الإمبراطوريات الأوربية عشية الحرب العالمية الأولى، فوجدت الشعوب أسرع وسيلة لاثبات ذاتها والاعتزاز بهويتها، مع أن هناك دعاوي بأن كثيراً من رموز القوميات إنما ركبوا قطار القومية لمآرب شخصية بغية الحصول عليها بأسرع وسيلة، أو انتقاماً من ظروف عانها أحدهم فركب في أمواج القومية لينتقم من سوء أحواله؛ فيكون انتماء تلك الفئة للقومية وُصوليّاً لا مبادئياً، لكن هؤلاء لا يشكّلون طيفاً واسعاً من الجماهير القومية، والعامة أقرب إلى تبني الأفكار لمآرب فاضلة، ولو فتشنا في مضامين الأفكار القومية نجدها تحاكي هويّة القومي وبيئته من لسان يتحدث به ولغة يكتب بها ودين يدين به وعشيرة أو قوم يتعزّى بهم فيّركّب تلك المضامين بشعارات القومية، سواء اتخذت من رفع الظلم والاستبسال في مطالبة الحقوق والتطلّع لحياة أفضل أو الازدياد من القوة الهيمنة والتوسع، مع أن محرّك المعاناة أقوى دائماً من الإبقاء على الرخاء إذا اصطرعا، وربما يكون تبني القومية ردة فعل عكسية ومواجهة لقوميات أخرى، مثلما نبذت أوربا النصرانية التي كانت تحكم الإمبراطوريات أعقاب الحرب العالمية الأولى واستبدلتها بالدعوات القومية، مع أن تلك اللحظة لم تكن وليدة وقتها بل هي حالة تخمّرت مدة قرنين ثم ظهرت، تلك توقعات لأسبابِ تبني الأفراد الأفكار القومية،وأظن أن أقوى دافعٍ للفرد لتبني فكرة هي البحث عن معنىً مُتعالٍ يحياه ويُنسب إليه.