مقالات تاريخية
التاريخ عند العرب
التاريخ عند العرب
قد لا يهمك أيها القارئ أن تقف على معنى التاريخ في الاصطلاح بأنه”الإخبار عما حدث في الزمن الماضي”؛إذ أن هذا المفهوم متبادر للذهن عند الغالب وإنما سنمر على شيء من محطات وسمات التاريخ في الحضارة العربية.
يذكر د. عبدالعزيز الدوري أن أول نقش تاريخي للعرب كان بين (١٢٥٠ ق. م – ٥٢٧ م) ثم بدأت مسيرة العرب في تدوين أحداثهم؛ إذ جعلوا والأحداث العظام نقطة بدء لتقويمهم ولم تكن تلك التقاويم متَواضعاً عليها عند عامة العرب إلا في القليل من الأحداث، لكن كل جماعة وناحية يتخذون لأنفسهم تقويماً يؤرخون الأحداث عليه، مثلا: أهل مكة بعام الفيل وأهل المدينة بيوم بُعاث، وتلك القبيلة أرّخت بوفاة سيد لهم أو بمعركة انتصروا فيها، فلم يكن للعرب تقويم ثابت يجمعهم، لكن يكان يجمع عامة المؤرخين أن مبعث النبي – صلى الله عليه وسلم – كان نقطة انطلاقة لدى العرب ومنها كان تاريخ أحداثهم مرتبطا بظهور النبي – صلى الله عليه وسلم – ومبعثه الذي جاء وقلبَ كافة الموازين، ثم لما كان عهد الخليفة عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – جعل تاريخ المسلمين يبدأ بهجرته – صلى الله عليه وسلم – فأنشأ نمطاً ثابتاً للتاريخ مختصاً بالأمة،
ومن ضمن ما تغير بعد الرسالة بث العلم من قراءة وكتابة، فبعدما كانت القراءة صفة لازمة لنخبة معينة صارت القراءة والعلم حالة عامة بل وحث على نشر العلم والوعي، ومن ضمن ما وقع عليه اهتمام المسلمين أخباره وسيرته – صلى الله عليه وسلم- وتتابع العلماء على هذا الفن من التاريخ(علم السيرة) وفرّعوا منه فنونا خاصة مثل (المغازي)، وكان أول اهتمام بسيرته ومغازيه مبكراً من أبناء كبار الصحابة رضي الله عنهم مثل أبان بن عثمان بن عفان، وعروة بن الزبير بن العوام، وشراحبيل بن حسنة، تلا تلك طبقة : عبدالله بن بكر بن حزم ومحمد بن شهاب ثم طبقة ابن اسحاق وهو أول مؤرخ يصل إلينا جزء مغازيه – حسب رأي د. الدوري.
لكل فن وعلم طبيعة في الكتابة والتدوين وهي في داخلها مختلفة باختلاف مواضيعها ودوافع مؤرخيها اجتماعياً أو معرفياً أو سياسياً، وأن أظهر سمة في التاريخ في الحضارة العربية الإسلامية اعتماد “الإسناد” المضارع لطريقة المحدثين في طريقة ذكر أسانيد التاريخ منهم من يذكر الإسناد في وحدة موضوعية واحدة أو متقاربة، ومنهم من يذكره متفرقاً أشبه بطريقة الحوليات المعتمد على تاريخ الحدث، يقابل الإسناد السرد القصصي الخالي من الإسناد ويغلب عليه دائماً فكرة (الأسطورة) المباين للحقائق، ويصاغ من تلك الأسطورة قصائد شعرية والشعر قبل الإسلام هو ديوان العرب المحفوظ يقول ابن فارس(الشعر ديوان العرب، وبه حُفظت الأنساب وعرضت المآثر، ومنه تُعلمت اللغة..) ومن ناحية أخرى يميل بعض المؤرخين إلى الموضوعية الملائمة مع الطبيعة الإنسانية، ثم توسع المؤرخون في تتبع الأخبار فنظروا إلى المصادر الأساسية كالقرإن الكريم والسنة النبوية ووجدوا أن تحتوي قصصاً مثل قصص الأنبياء وأخباراً للأمم، فخرجوا بذلك عن التاريخ العربي إلى العالمي الذي جاءت به النصوص، وقد تميزت طريقة القرآن مع الأحداث التاريخية بأنها تاريخ عالمي للأمم ورسلهم، مُحمّل بالعبرة، موجِّهٌ باستلهام السُنن، ومثله ما ورد من القصص في السنة النبوية، فكان التدوين التاريخي ضمن حزمة علوم ومعارف تتكون وتشكل العقل المسلم، فهو مُزامن لعلم الحديث والتفسير والفقه، ولا بد من استمداد علم لآخر وحتى التصانيف وطرائق التدوين فيه قدر من المشابهة يعني: كما أن في الفقه المدرسة العراقية والمدنية والمكية، يوجد المدرسة المدنية والعراقية ويستفاد من هذا التشابه أن جهود كل فرد داخل المدرسة مكمل لما بدأه من سبقه، وأدوات الاستفادة من بعض العلوم تُستخدم في العلوم الأخرى، بالطبع فإن الكتابة التاريخية لا تخرج عن ذاتية المؤرخ التي تُبرز ميوله المعرفية والسياسية والمذهبية، فيُوصف المؤرخ أنه مؤرخ محدث فقيه من أتباع أو مناؤي بني أمية أو بني العباس، أو لديه ميول مذهبية كالتشيع للعلويين، يكوّن لدى القارئ صورته الذاتية من اختياراته ومذهبه؛ وهذا يفهم في سياق أن للمؤرخ رأيه الذي يتبناه ويدعو له.
من الأمور التي حفلت في التدوين التاريخي لدى العرب الأنساب؛ فالعرب أمة مهمومة بأنسابها، واهتمامهم ببعض الأيام والأحداث حتى جعلوا لها مصنفات خاصة كـ(الجمل، وصفين) وكلما عظم الحدث في وجدان قومٍ كثر الحديث عنه وتنوعت الأساليب التي يطرح فيها الحدث ألا ترى أن سيرة المختار – صلى الله عليه وسلم – لما عظمت في نفوس المسلمين تتابعت طرائق العلماء وأساليبهم في طرح سيرته تارة بالإسناد وتارة بالسرد القصصي وأخرى بطريقة المتون المختصرة والمنظومات الشعرية، والشيء بالشيء يذكر سبق أني قرأت أن أعظم حدث في وجدان وعقل الإنسان الغربي الثورة الفرنسية، ولما عظم الحدث في نفوسهم استخدموا لها كافة الأساليب في وصفه وتوصيفه بدء من السرد القصصي والتنظير الفكري مروراً بكافة الفنون من مسرحية ورواية وفيلم وسينما بل إنهم صنعوا