مقالات اقتصادية

الليبرالية الجديدة: البذر والثمر (٢/٢)

أ. عبدالله السليم أكتوبر 27, 2023

الليبرالية الجديدة البذر والثمر 2 / 2

سبق في المقالة السابقة ذكر بعض مظاهر بذور الليبرالية الجديدة باقتضابٍ غير مخلّ – إن شاء الله – وسنذكر هنا ثمار تلك البذور التي شكلت وجه الاقتصاد العالمي بدءاً من مؤسسيها إلى مرحلة تنفيذها وتطبيق إجراءاتها على يد الشخصيات المصورة في كتاب الليبرالية الجديدة وهم ” رئيسة وزراء المملكة المتحدة تاتشر، الرئيس الأمريكي رونالد ريغان، والرئيس الصيني دينغ جياو بينغ، وبول فولكر” وما تبعهم من سلطة ونفوذ ومؤسسات حتى عمت الفكرة الاقتصادية وجه البسيطة، ولم يكن محض مصادفة تزامن حضور هولاء الرموز – كما يدّعي الكاتب – نقول ربما يكون وصول هذه الشخصيات محملين بفكرة النيولبرالية نتجية تخطيط وهذا ما لا نستطيع اثباته، أو يكون نتيجة سياسات وظروف أنشأت الحاجة لتبني النيولبرالية بديلاً عما سبقها.

نتج عن تبني سياسات النيوليبرالية عدة ثمار نذكر منها السمات الجامعة التي لحقت بغالب الدول، وإلا فإن لكل بلد حكايته مع التحول النيوليبرالي ، أولها : المطالبة برفع يد الدولة عن حركة السوق، وجعله خاضعا للعرض والطلب الذي تؤثر عليه طبقة معينة من ملاك رؤوس الأموال، في سلسلة متتابعة من التأثيرات يؤثر إلى تراجع خدمات الرعاية التي كانت السلطة ومؤسسات الدولة ترعاها لتخفيف وطأة تنافس السوق، ثم ارتفعت تلك المطالب إلى عرض مؤسسات وخدمات الرعاية الاجتماعية في السوق الرأسمالي وجعل غالب الناس تحت رحمة حركة السوق المهتم بتحقيق أعلى نسبة من الأرباح بأقل كلفة، ثم ارتقت المطالب أكثر فأكثر في تفريق الضرائب بين أرباب رؤوس الأموال وبقية الناس، بالتخفيف على أرباب المال، وتثبيتها أو رفعها على عامة الناس، والملاحظ أن كل وسيلة تؤدي إلى زيادة تراكم الأموال لا تتأخر الدول المهتمة بالاقتصاد النيولبرالي بتتبع تحصيل وسائل مكاثر رؤوس الأموال، وقد ذكر الكاتب عدة إجراءات قامت بها الدول النيولبرالية منها سياسي كدعم الانقلابات والإتيان بطبقة تطبق توجهات الدول والمؤسسات النيولبرالية، وأخذت دول أمريكا الجنوبية أشهر وأظهر وأقسى أمثلة في هذا المجال، ومن الثمار التي أنتجتها النيولبرالية الأزمات المالية المتتابعة في أنحاء العالم، فكل عقد يشهد أزمة مالية نتيجة تطبيق سياسات النيوليبرالية مثل أزمة السبعينات والثمانينات وأزمة النمور الأسيوية في التسعينات وأزمة الرهن العقاري التي طالت ظلالها كل الاقتصاد العالمي، ويلاحظ أن لكل أزمة زمكان ينتقل من بلد إلى بلد فإن انتعشت جهة من الكرة الارضية بتقدم اقتصادي فهناك أزمة تضرب ناحية أخرى!

لكن على ما ذكر “ديفيد هارفي” من المساوئ، ماالذي جعل العالم يقبل تطبيق هذه السياسات؟ وهل للتوجهات النيولبرالية محاسن؟

يشير الكاتب أن من محاسنها الضبط أحيانا بتطبيق بعض الإجراءات التي تخفف من معدل التضخم، وبعض المزايا قصيرة المدى مثل التنعم بخدمات الخصخصة، ويشير “ديفيد هارفي “أيضاً في سبب تقبل الناس للنيوليبرالية إلى انحياز حملة المعرفة والعلم في الإشادة لتوجهات النيولبرالية وذكر شواهد أشهرها اقتصار منح الجوائز العلمية على مؤيدي الاقتصاد النيولبرالي، ومنها امتلاك وسائل الإعلام والتأثير والترويج الذكي لأفكارها. ومنها أن فكرة النيولبرالية تقوم على الاستهلاك الفردي مما يُفشل أي اتفاق لنقض الفكرة النيولبرالية، وتبني الدول والمؤسسات النيولبرالية دعم الحريات مقتصرة على الحرية المدنية مخرجين بذلك الحريات الاقتصادية، وقد أورد “ديفيد هارفي” شواهد ومآسي تطبيق السياسات النيولبرالية أدت إلى لنتائج كارثية لحقت بملايين البشر مثل النزول لخط الفقر وما يتبعه من استغلال في تدني الأجور يصل أحيانا لأقل من دولار يومياً وأحيانا استغلال جنسي، وانعدام الرعاية الاجتماعية، ومنها تبني أقوى دول العالم لسياسات النيولبرالية (الولايات المتحدة الأمريكية – المملكة المتحدة – الصين) وأقوى مؤسساتها مثل تحالف (وول ستريت – صندوق النقد الدولي – وزارة الخزانة الأمريكية) ومما صرح به الكاتب النظرة الانتقائية الداروينية لمتبني السياسات النيولبرالية أي البقاء للأقوى = أحقية البقاء للأقوى.