مقالات اجتماعية
الفردية والجماعية: أشهر إشكاليات علم الاجتماع
أظهر سمة من سمات علم السوسيولوجيا “الاجتماع” هي التأمل في واقع والتوصل إلى نتيجة من طرح الإشكالات، وأشهر إشكالية قامت على حياضها خلافات وصراعات واحتراب، بل كانت مفترق طرق في مدراس علم الاجتماع، نقصد الصراع بين الفردية والجماعية، وبصورة أخف تغليب جانب على آخر، وإلى أي مدى يتسع طرفٌ مستحوذاً على فضاء الطرف الآخر، وبعيداً عن التراشق والصراع الذي دارَ بين المدرستين(الفردية ، الجماعية) نقف على المكان المتفق عليه بين هذين الطرفين، فالجماعية المتطرفة لفظتها الطبيعة الإنسانية-كما هو الحال في النموذج الشيوعي- والفردانية المتطرفة حمّالة بذور فنائها وفناء المجتمع، وهناك مساحة اضطر أطراف النزاع على تقبّلها؛ بدليل الواقع الذي نراه، وهي: محاولة الموازنة بين الفردية حيث يبقى لكل فرد كيانه، الجماعية حيث يتطلب المجتمع قدراً من الاجتماع، فماالذي يحمل الفرد أن يتقبل هذا الاجتماع؟
عنونَ “جورج زيمل” في كتاب الفرد والمجتمع موضوعاً جاذباً يجيب عن شيء من هذه التساؤلات فسماه: “ثلاثة أشكال قابلة للاجتماع” إلا أن الإلغاز أذهب بريق العنوان، وألمح المؤلف إلى شيء من هذه الأشكال القابلة للاجتماع “الشخصية ، الدور ، البُنية” ولكي نتفهم سيرورة المجتمع يُفضل النظر لهذه الأشكال نظرة مترابطة، فالفرد يؤدي بشخصيته المستقلة الدور المناط به في المجتمع ولا يشترط الانصهار الكامل للشخصية ومن باب أولى تماثل الشخصيات وأدوارهم ولا يُبالغ إذا قيل باستحالة تماثل شخصية ودورها مع شخصية أخرى، فلا بد من طبعة ذاتية تميّز دور فرد عن الآخر، وفي دائرة أوسع يكون تفاعل الشخصية مع الدور في بنية اجتماعية تدير وظائف الشخصيات وأدوارهم،
لكن؛ ما الذي يقنع الفرد بأن ينضوي داخل تلك الأنساق والوظائف والأدوار؟
من أول وهلة تنقدح فكرة النظر إلى الطبيعة الإنسانية باستئناسها المؤانسة والمعاشرة وتسوحش الوحدة، أما رباط المؤانسة، فيختلف حسب المجتمعات وغالب المجتمعات تنظر إلى الدين أو الأيدولوجيا أنها أوثق رباط يُعتصم به بين أفراد المجتمع، وأحياناً يُنظر إلى أواصر القرابة والنسب مما يعتمد عليه ويضحّى لأجله، وينضوي داخل تلك الأنساق تفريعات متكاثرة مثل الثقافة واللسان والعِرق والوطن، وينتج عن كل”تفاعل” هذه البُنى كينونات داخل المجتمع تؤدي دوراً مناطاً بها، وفي تراثنا مثلاً أنيطت مهام عدة لكينونات ظاهرة أشهرها “الوقف” فهو يقوم على منظّرين – فقهاء – وموقفين ونظّار ومستفيدين، وكانت تقوم بدور اجتماعي حسن، والذي ينبغي أن توجه الأفكار إليه الوعي بهذه الأشكال “الشخصية ، الفرد ، البُنية” وكيفية تفاعلها ووضع أنفسنا في إطارها حيث يتم تفعيل كل شخصية ودور وبنية في مجالها للوصول للتكامل المرجو في المجتمع.
تحرير:
عبدالله السليم