مقالات تاريخية
لكن لا يعرفهم التاريخ
لكن لا يعرفهم التاريخ
دخل حذيفة رضي الله عنه على عمر بن الخطاب رضي الله عنه مبشراً بفتح الفتوح – فتح نهاوند – وعارضاً له تقريراً عما حدث، وعادّا له أسماء من أُستشهد، ثم قال: وأناس لا تعرفهم، فتعلثم الفاروق يغالب غصص البكاء ويقول”لايضرهم أن لا يعرفهم عمر لكن الله يعرفهم”
يحدثنا التاريخ عن قادة المعارك ومؤسسي النهضات ومجددي العلوم، لكن صفحات التاريخ تتجاوز فئة كبيرة من مؤثري الأحداث وليس هذا ذماً للتاريخ؛ إذ لو كُتب كل شيء لم تستوعبه الصفحات ولااستطاع الناس قراءته والاستفادة منه، لكنه لفت للانتباه وتعرف لأشخاص مؤثرين تواروا عن صورة الحدث، وفي المثال الرمزي الذي يحدّث عن عبور نهر الروبيكون لكن لا نعرف إلا بوليس قيصر ونجهل مصاحبيه من خدم وجنود مع مركزية تأثيرهم على نتيجة الحدث، وقريباً منه لو بحثنا في التاريخ عمن شارك في معركة اليرموك المجيدة لا نتذكر من 40 ألفا إلا عشرهم في أحسن الأحوال، والبقية مع مركزية تأثيرهم لا نعرفهم، وليس انتقاصاً لهم، ولا ذماً للتاريخ – كما قلنا آنفا- وواصل تأملك في ظل هذه الفكرة وانظر إلى نشأة العلوم -مثلا- فإن تذكرنا المؤسسين فأين ذكر المتعلمين الذي حملوا هذا العلم حتى اشتهر، وأين ناشري العلم ونُساخ كتبه ؟ والمراد: أن طبيعة الأحداث لا تنشئ منفردة وإنما يقدمها ويصاحبها بيئة مناسبة تتعلق بهؤلاء الأفراد الذين ربما ينساهم التاريخ، حتى في الآثار المحسوسة مثلاً : لا نعرف من مسجد قرطبة أو جامع الزيتونة إلا عبدالرحمن الداخل ، وحسان بن النعمان أو ابن الحبحاب وربما لا نعرف البنائين والمهندسين لتلك الآثار مع مركزية دورهم في إنشاء هذه المجاميع التي ساهمت في بناء الأمة، وعلى عكس هذه الأمثلة فإن مهمشين لا يعرفون كان لهم تأثير بالغ في أحداث وعلوم وآثار جرّت على أممهم شراً مستطيراً، فالجماهير التي صفقت لهتلر وجنوده واستقبلتهم بالأحضان والقُبلات حينما دخل باريس لا أحد يعرف أشخاصهم وكان لهم تأثير سلبي فرنسا ومصيرها في الحرب العالمية الثانية.
الحاصل: أن الأحداث اليومية التي نحياها مهما صغرت ستكون غداً تاريخاً أو مشكلاً في مسيرة التاريخ شعرنا أم لم نشعر، فيبحث الشخص عن دائرة تأثيره في الأحداث اليومية – التي ستكون تاريخاً – ويعززها ويوظفها بشكل يعود على مجتمعه بالخير والنفع حتى إن لم يُذكر اسمه في صفحات التاريخ فإنه أثره يبقى.
كان النبي صلى الله عليه وسلم، كان في مغزى له، فأفاء الله عليه، فقال لأصحابه: «هل تفقدون من أحد؟» قالوا: نعم، فلانا، وفلانا، وفلانا، ثم قال: «هل تفقدون من أحد؟» قالوا: نعم، فلانا، وفلانا، وفلانا، ثم قال: «هل تفقدون من أحد؟» قالوا: لا، قال: «لكني أفقد جليبيبا، فاطلبوه» فطُلب في القتلى، فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم، ثم قتلوه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فوقف عليه، فقال: «قتل سبعة، ثم قتلوه هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه» قال: فوضعه على ساعديه ليس له إلا ساعدا النبي صلى الله عليه وسلم.