مقالات تاريخية
في مفهوم الحضارة
منذ فجر الخليقة والإنسان على الأرض كائن باحث استخلفه الله لعمارة الأرض وبناءها بالإيمان والتوحيد، وعلى إثر هذا تكوّنت أمم وأنشئت حضارات، ووُلدت من صلبها دول، ولعلنا نقلب مفهوم الحضارة ونتطلب معناه.
يروي الكاتب “بروس مازليش” في كتاب الحضارة ومضامينها رحلةَ مفردةِ الحضارة، وكيف تشكل مفهومها المعاصر، فيذكر أن 1766م بدأ يشتكل المعنى المعاصر لمعنى الحضارة، ذكر كذلك أن سؤال الحضارة طُرح بقوة بعد فتح القسطنطينة، وطرح أيضاً مع بداية الحركة الاستعمارية، ثم تشكل بعد ظهور علم الابستمولوجيا ، ولايهم كثيراً أن نعرف أول من استخدمه إذا علمنا أن تاريخ هذه الأشياء متقارب نسبياً، وإنما يحسُن أن نوصّف هذا المفهوم بسهولة، فيُقال بأن الحضارة: “أرض وشعب يحمل فكرة ويحيا عليها” وبعضهم عرّفها بذكر ما يتقاطع معها فقال: هي مجموعة من المفاهيم عن الحياة بخلاف المدنية فإنها الأشكال التي تستعمل في تسيير شؤون الحياة، وصاحب قصة الحضارة “ويل ديورانت” ضمّن الحضارة عدة أمور: الاقتصاد، السياسة، الأخلاق والقيم، والعلم، والفلسفة، والأدب، والفن، ويُزاد على ما ذُكر المرجع الذي تستند إليه جميع هذه الأمور، فالشعب لابد أن تخضع رؤاه وتصرفات أفراده لهذا المعنى المتجاوز، ومثله أسلوب الحياة، ومظاهر الفن وفنون الأدب، أما المفكر علي عزت فانتبه للخلط والتقاطع بين مفهومي الحضارة والثقافة، فوصف الثقافة بأنها تُعنى بعلاقة الإنسان بالمعاني الماورائية أو كما عبر بـ”علاقة الإنسان بالسماء” أما الحضارة فهي الأدوات التي تُبقي الإنسان على هذه الحياة، وهو بهذا اتخذ معنى خاصاً له، وقريباً منه تصنيف مالك بن نبي للحضارة المعاصر حيث قسّم العالم إلى محور موسكو السوفيتية وواشطنن وجعلهما في محور يقابله محور طنجة – جاكرتا الاسلامي، وذكر أن محور (موسكو-واشنطن)يطرح قضاياه بمطنق القوة، أما محور(طنجة – جاكرتا)فإنه يطرح قضاياه بمنطق البقاء، فالمحور الأول يُغلّب جانب الحضارة، والمحور الثاني تغلب عليه الثقافة.
على ذكر مالك بن نبي فقد ذكر أن الحضارات تنشأ على ثلاث مراحل: الروح وهي غالباً مايتزامن مع المؤسسين الأوائل الذي تشربوا الفكرة وأقاموها على الواقع ونشروها في الأرجاء تليها مرحلة العقل ثم مرحلة الغريزة، وهذه الأطوار تسير كالشمس تأفل عن قوم وتشرق على آخرين وقد شرح مالك بن نبي نظريته في عدة مواضع منها كتاب مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، وهناك من يرى أن نشوء الحضارة يكون استجابة لحالة من الضغط المناسب الذي يحفز التفكير على الخروج من تلك الحالة وفي شرح هذه الفكرة يمثلون بشعوب الإسكيمو؛ إذ يقبعون بحالة من الضغط العالي”شدة البرد” لاتمكنهم من الحركة، يقابلهم الشعوب الاستوائية؛ إذ ينعمون باعتدال الأجواء ووفرة الأمطار مما يغيب عنهم الحاجة للحركة وتكوين حضارة، وهناك من يتوافر لديهم الحالة المحفزة لكن تغيب عن الفكرة ويُمثّل لهذا حركة اجتياح المغول للعالم فلم تذكر لهم آثار حضارة ولم يبق لهم باقية، إلا مَن تماهى مع حضارة أخرى كمن دخل الإسلام وأقاموا فيه دولتهم إلى أن أسقطها الاستعمار البريطاني.
اقتباس:
“… الحضارة ليست عبارةً عن وفرة المنتجات الفكرية والمادية وتكديسها؛ إذ إنّ ذلك يتخم المجتمع بالشيئيّة ويسلبه طاقة القيام ويوقعه في خانة التبعيّة والاستهلاكيّة، بينما الأمر على النّقيض من ذلك؛ لأن للحضارةِ قدرةً على البناء والإبداع وصناعة الأُطُر الملائمة لذلك، ضمن رؤية شاملة للوسائل والأهداف “