مقالات اقتصادية

التنمية ونظام القيم: تجربة مملكة بوتان

أ. عبدالله السليم يناير 3, 2023

التنمية ونظام القيم

استوقفتني التجربة التنموية لمملكة بوتان الصغيرة التي تقع بين التبت والهند ، وذلك لإصرارها على الاحتفاظ بطابعها الوطني فقد ظلت تتخذ لعدة قرون نهجها الخاص بها .

ورغم أنها من افقر بلاد العالم من حيث دخل الفرد، فمعدله 550 دولارا في السنة ، ولكن هذه صورة مضللة لأنها تُغفل حقيقية أن أكثر من 85 في المائة من السكان يشتغلون بزراعة تكفي لعيش الأسرة أو تزيد قليلاً ، وعمليات المقايضة هي الأسلوب السائد .

والناس في بوتان يتمتعون بالغذاء والكساء الجيدين ، ولا يكاد يوجد أحد ليس له بيته الخاص له .

والنجاح في تلك البلاد تحدده اعتبارات تنمية بيئية وروحية وأخلاقية ، ويضعون آداب السلوك والاستنارة فوق الثروة المادية ، ويتمسكون بالقيم البوذية ، ويحافظون على الموروثات ، وما يزال قانون السلوك القديم جزءاً من المنهج المدرسي .

يقول ملك بوتان “إن إجمالي السعادة الوطنية أهم من إجمالي الناتج الوطني” .

لقد تم رسم طريق التنمية بعناية بحيث يظل متماشياً مع نظام البلاد العقائدي المتكامل .

يؤكد ذلك وزير التخطيط بقوله ” لن نُدفع إلى الأخذ بكل ما هو حديث بغير تمحيص ، وسنستفيد من تجربة من سلكوا التنمية قبلنا ، ونأخذ بالتحديث بحذر وبخطى تتماشى مع قدرتنا وحاجاتنا ‘ ولهذا فإننا نسعى للمحافظة على ثقافتنا وموروثاتنا ونظم قيمنا وموسساتنا”

ورغم أن آثار الراسمالية العالمية الضارة بعيدة المدى قد وصلت مؤخراً إلى بوتان ؛ إلا أنها لاتزال تحتفظ بالكثير من الملامح السابقة التي أبقت لها هوية متمايزة ، وتظل الدولة البوتانية -في الوقت الحاضر على الأقل- القوة الاقتصادية الرئيسية (معظم الصناعات تمتلكها الدولة) والراعية الرئيسية لحاجات الشعب من الرفاه وهي أدوار كانت تلعبها الدولة أيضا في أوروبا وأمريكا في الشطر الأكبر من القرن الماضي .

ذكرتني هذه التجربة بالخيار الثالث الذي وصف به هنتجتون التجربة الآسيوية وهو الجمع بين التحديث والمحافظة على القيم الأساسية ، والممارسات والمؤسسات الموجودة في ثقافة المجتمع المحلية .. فقد أشار مرات عديدة إلى منطق الآسيويين الواضح في عزوهم نموهم الاقتصادي الكبير إلى التزامهم بثقافتهم الخاصة وليس إلى مستورداتهم من الثقافة الغربية ، فبعد أن امتاز نجاحهم الاقتصادي لم يترددوا في تأكيد تميز ثقافتهم والإعلان بعلوّ الصوت عن تفوق قيمهم وأساليب حياتهم .

وكما نقل عن أحد السياسيين الأمريكان في أن نهضتهم الثقافية تتضمن “ثقة متزايدة بالنفس” فهم لم يعودوا يعتبرون كل ما هو أمريكي أو أوروبي الأفضل بالضرورة .

وأن نهضتهم تعبر عن نفسها في التوكيد المتزايد على تميز الهوية الثقافية لكل دولة آسيوية وعلى العوامل المشتركة بين الثقافات الآسيوية .

ليس هذا فحسب بل هم يعتقدون أن نجاحهم الاقتصادي جاء نتيجة للثقافة الآسيوية التي هي أرقى من ثقافة الغرب المتفسخ ثقافياً واجتماعاً .

ثم يقرر هنتجتون أن تعاظم الثقة بالنفس لدى شرق آسيا أدى إلى ظهور عالمية آسيوية تشبه تلك التي كانت تميز الغرب .

قناة مدارك

https://t.me/madarek31