مقالات اجتماعية

الأسواق: نبض المجتمع وحيويته

أ. عبدالله السليم يناير 22, 2022

ما بين غمغمة أسواق دمشق وبغداد وقرع أجراس لندن و”وول ستريت”، وعلى امتداد التاريخ والجغرافيا، كانت ولا زالت الأسواق نبضاً يدل على حيوية المجتمع وتعافيه، فلا يُتصور مجتمع خالٍ من عمليات البيع والشراء المنعقدة في الأسواق، ومن هنا تكمن أهمية هذا المجتمع “السوق” إذ يقضي فيه الناس كثيراً من أوقاتهم بيعاً وشراءً ورهنا وكراءً ومبادلة للمنافع؛ حيث تُطلب منه وتُعرض فيه الضروريات والحاجيات والكماليات، ومنه يحاول الفرد ريَّ نهمه وإشباع رغبات نفسه، والمتأمل الحصيف يُسلّم أن الفرد لا يستطيع أن يستغني بذاته عن مجتمعه فالعلاقات في إطار هذا المجتمع “السوق” استكمال لدوائر المجتمع الأخرى كالأسرة والمسجد والمدرسة .

مع بداية العصر الصناعي طرأت على الإنسان مستجدات واختراعات أثّرت تأثيراً مباشراً في الأسواق، فابتُكرت العقود ونشأت الشركات العابرة للقارات بقوة توازي وتفوق بعض الدول آنذاك مثل شركة الهند الشرقية الهولندية والبريطانية، ولازال التطور يحثُّ سيره وصولاً إلى زمن أو مرحلة العولمة وبروز شركات على أنقاض أخرى، وتزاوج السياسة مع السوق، إلى أن وصلنا ثورة الأسواق والمتاجر الإلكترونية حيث تنعقد الصفقة بين الأطراف دون أن ينبس أي طرف بكلمة!

ومن هنا حرصت كثير من المجتمعات بوضع أطر عامة في بناء منظومة تحكم تلك الزاوية من المجتمع وتجويد التعامل فيها، وفي تراثنا -الذي نعتز به- جاءت الأوامر والتوجيهات والمنهيات، كمنع الغش ومايتفرع عنه من العقود والممارسات، ومنع استغلال ضروريات الناس، وكثير مايذكر الفقهاء المنهيات والمحرمات المتعلقة في البيوع والأسواق لأنها استثناء من أصل الإباحة، وجاءت الشريعة بتعزيز الأخوة في سياق البيع والشراء كقوله صلى الله عليـه وسلم “لاتناشجوا….وكونوا عباد الله إخوانا” ونهى عن بيع المسلم على بيع أخيه، ومن أوجه تكامل الشريعة في هذا السياق أنها أحياناً تجمع بين عقود المعاوضات والتبرعات، فمن أخطأ في بيع وأراد أن يتراجع عنه بعد انتهاء إجراءات العقد فإن الشارع يندب ولايُلزم كما جاء في الحديث” من أقال مسلماً أقال الله عثرته” وهذا لا يُفقه في التعاملات المالية الغربية أو غير الإسلامية، فالسوق عندهم لا يتسع للمجتمعات التراحمية وإنما التعاقدية.