مقالات اجتماعية
دور العبادة وبناء العلاقات الاجتماعية
ظل الدين في عصور ممتدة أقوى إطار ناظم للمجتمعات الإنسانية، سواءً كانت الديانات صحيحة أم باطلة، ومن فروع الديانات إقامة الشعائر وأماكن العبادة، وعلى أصحان دورالعبادة قامت علاقات اجتماعية بين مرتادي هذه الدور،…وفي ديننا الحنيف ارتبط المسجد ببعض العبادات، نحاول أن نأتي على العلاقات المجتمعية ذات الصلة بالمساجد.
التصق مسمى المسجد بفريضة الصلاة، إلا أن الرعيل الأول كان ارتباطهم بالمساجد أكثر من صلاة تؤدى وينصرفون، بل أعمق من ذلك، إذ أن المساجد تُمثل النواة الاجتماعية الأولى- قيمة وزمناً – فحينما وصل النبي –صلى الله عليه وسلـم – إلى مُهاجَرِه ابتدأ ببناء المسجد، وكان مسجده نقطة تعارف بين أفراد المجتمع، ونزعم أن ابتداء العلاقات من المساجد أكثر سمتاً من غيرها من الأماكن، وفيه – المسجد – تشكّلت مجالس العلم والفتيا والوعظ والتزكية بما يعود على حاضري المسجد بالتعلّم والثبات والاستئناس برؤية من يشاطره ذات القيم والمبادئ والسلوك… يدخل أعرابي- رضي الله عنه- مسجد المدينة ويبول في ناحية منه، فيقوم الصحابة –رضي الله عنهم -ليكفّوه فيشير إليهم – صلى الله علـيه وسلم – أن لا يقطعوا عليه بوله؛ رفقاً بجهله، ثم يقدّم لهم الدرس العملي بكيفية تعليم الجاهل وتوجيهه والتلطف معه، ويقول في خاتمة توجيهه لهم “فإنما بُعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين”، وكان المسجد مجمعاً للمناسبات الاجتماعية كالأعياد، وكلما اقتربت المناسبات من المسجد كلما قلّت فيها المخالفات الشرعية؛ لهيبة المكان في النفوس إذ أن المساجد دور علم والمخالفة لا تقع إلا عن جهل – غالباً- ، وتعقد في المسجد لواء الغزوات، وعقد المشاورات ولا يغيب عن أذهاننا شورى النبي صلى الله وسـلم للصحابة في معركة أحد، وكان المسجد أداة إعلامية توعوية بامتياز، فحينما قيلَ ماقيل في حادثة الأفك، وسعى رأس النفاق ابن سلول “يستوشي الخبر ويجمعه” أي يستخرجه ويشيعه في المجتمع ولا يدعه يخمد، قام صلى الله عليه وسـلم في المسجد خطيباً يرد هذا الإفك حتى أنزل الله البشرى مطلع سورة النور، وكان صلى الله عليه وسلـم إذا أراد بياناً عاجلاً للناس أمر مناديه أن ينادي “الصلاة جامعة” فيخبرهم بالخبر كما في قصة تميم الداري في حديث الجساسة، فقد كان المسجد قاعدة لتشكيل الوعي في المجتمع، وقصة كعب بن مالك – رضي الله عنه – حينما تخلّف عن غزوة تبوك وما كان بعدها من هجر النبي – صلى الله عليـه وسلم – وأصحابه له، شاهدة على مركزية المسجد في العلاقات في المجتمعية آنذاك، وفي المسجد تقام الأدوار والمسؤوليات بين مرتاديه، فالإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، والخطاب للمأمومين “ليلني منكم أُولو الأحلام والنهى” والسرد عن مكانة المسجد والعلاقات المجتمعية التي تتكون في ظلاله وأدواره تطول وتطول.