مقالات اجتماعية
الاستهلاك والأسرة والمجتمع الأمريكي
“الاستهلاك |والأسرة| والمجتمع الأمريكي”
الجنس في الولايات المتحدة مرتبط بالسعار الاستهلاكي.
ولهذا نجد أن الأمريكي غير راضٍ عمّا في يده، برم به، دائم البحث عن الجديد وعن آخر التقاليع، يغير مسكنه وجيرانه وأصدقائه مرة كل خمسة أعوام، ويرتدي كل عام رداء جديدا، ويحاول أن يغير سيارته كلما سنحت له الفرصة، وهو يغير زوجته مثلما يغير كل شيء آخر، وهي أيضا تفعل الشيء نفسه.
كل هذا يفصل الجنس عن مضمونه الاجتماعي والإنساني.
إن الإنسان هنا ينعزل عن تراثه وماضيه، بل عن وجوده الإنساني، يعيش في الجسد يبحث عن المتعة المباشرة التي لا علاقة لها بالخير أو بالشر.
(وبالنسبة لمثل هذا الإنسان المتمركز حول لذته تصبح الأسرة أمرا غير مهم).
هذا إلى جانب أن الباحث عن اللذة هو إنسان فرد مكتفٍ بذاته، لا يطيق أي حدود أو قيود، أو مسؤولية، ولذا فهو غير قادر على إرجاء تحقيق رغباته، فهو يود أن يحققها في التوّ “الآن وهنا”.
ومثل هذا الفرد المكتفي بذاته لا يمكنه أن يقبل مؤسسة الأسرة، فهي مؤسسة تلقي على كاهله (كأب وأم) مسؤوليات اجتماعية شتى، وتفرض عليه حدودا وقيودا عليه أن يقبلها، وهو من الصعب عليه أن يفعل، فهو يعيش لنفسه ولمتعته وفائدته ولذته، ولذا تَضْمُر مؤسسة الأسرة تماما.
ولعلّه لهذا يزداد العزوف عن النسل والزواج مع ازدياد الإحساس بأن الأسرة عبء لا يطاق وأن مسؤولية تنشئة الأطفال تفوق طاقة البشر.
لعلّ هذا البحث عن “اللذة الجنسية الخالصة” [التي] لا تبحث عن الاستمرار وترفض الارتباط الدائم كما تحاول تحاشي أي نتائج اجتماعية مثل الزواج أو الأطفال = هو الذي يفسر انتشار الشذوذ الجنسي في المجتمعات الرأسمالية الغربية.
د. عبد الوهاب المسيري في مذكراته: (رحلتي الفكرية) بتصرف، (٢٤٤).