مقالات اجتماعية
ظاهرة الاستقلالية وانكماش الأسرة
سأل شاب صاحبه: هل أنت بيتوتي؟ أجاب ساخراً: أنا غرفوني! – نسبة إلى الغرفة – كثير من الطرائف لا تخرج بتلقائية بريئة، بل هي تحكي واقعاً محسوساً . (ندخل في الموضوع ولا نطيل)
من نظر للمجتمع وحال الأسرة وجد تعاظماً لظاهرة الاستقلالية ومحاولة الانفصال الشعوري والحقيقي بين أفراد الأسرة ، وجميع ما استُحدث من تقنيات وبرامج عززت هذه الظاهرة ، نعني بها (الفردانية)
نُحتَ لفظ الفردانية أو الفردية من الحضارة الغربية المعاصرة، وربما دل على غيره من المصطلحات، أو كان نتيجة من نتائجها ، فإن الأفكار في النسق الواحد مترابطة يشد بعضها بعضاً ومن الصعب الفصل بينها فصلاً تاماً ، ففكرة الفردانية جاءت عقب تسييد الإنسان لذاته وجعلها محور الكون ، وقد نشأ عن هذا المنطلق أفكار عدة منها الفردانية/الفردية، ويُقصد بها أن غاية المجتمع رعاية مصلحة الفرد، والسماح له بتدبير شؤونه ، فجعلوا الفرد وما يرتبط به هو الكيان المقدس ولا يُقدم شيء عليه، يُذكرنا هذا: بجدل الشمعة التي تحرق نفسها لتضيء للآخرين! وقد امتدت عدوى(الفردانية) لتمسّ منظومة الأسرة التي أقيم أساسها على الإيثار والمشاركة، فأصبحت الأنانية الفردية أشد المعاول لتقويض الدفء في الحياة الأسرية.
في أسلوب حياتنا نجد أن كل ابن وبنت قد استقل في غرفة واستغنى بها عن أسرته بمجتمعه الافتراضي الذي يهواه، فلا يحس أن لديه واجبات أو حقوق أو إسهامات تجاه أسرته، ولنضرب مثلاً من أيسر الحقوق الأسرية – فلعل بذكر اليسير يُنتبه للعظيم – فإن مؤانسة الأسرة و ادخال البهجة عليهم تعتبر من الحقوق ، فضلاً عن تلمس حاجاتهم ومحاولة حل إشكالاتهم واستشارتهم ومشاركة همومهم، فطغيان النرجسية الفردانية يقضي على كل التفاعلات الإنسانية داخل الأسرة. وربما ينتج عن هذا ضعف التأثر والتأثير بين أفراد الأسرة المعاصرة، مقارنة بطبيعة الحياة الأسرية في السابق، فمن المنطقي – سابقاً – أن يكون ابن الإمام أحمد بن حنبل الإمام عبدالله وصالح، وجد أحمد بن تيمية هو المجد بن تيمية، لكن مع تغوّل الفردانية والإنعزال على الذات داخل الأسرة قلل من منطقية هذه الأمثلة .
ألا نتوقع أن غلو الفردانية والانكفاء على الذات تجعل الأب – أو من هو في مقام التوجيه والتربية – يُحجم عن دوره المحوري ولا يشعر بتأنيب ضمير أو تقصير تجاه من يعول! بل ربما انزوى جانباً ظاناً أن التملص من التوجيه والنصح والإرشاد هو موطن راحته ! ومع مرور الوقت يستعظم المتربي – الابن والبنت – سلطة الضبط ، الإلزام داخل الأسرة ويرى أنه تدخل في شأن مقدس، والأب والمربي يرى أن ليس عليه واجب تجاه أسرته.