مقالات اجتماعية
دور النشأة في صياغة الهوية (٢/٢)
دور النشأة في صياغة الهوية
(٢/ ٢)
إبّان إقامتي في الولايات المتحدة الأمريكية بدأتُ ألاحظ أنماطاً من السلوك بين الطلبة، فكنت أقرر أن هذا لا بد أن يكون كاثوليكياً أو يهودياً أو بروتستانتياً.
وحينما أراجع تخميناتي على الواقع، كنت أكتشف أنني وُفقتُ في التخمين في معظم الحالات.
فبدأت أرى أن مقولتي (بروتستانتي) و (كاثوليكي) لا بد أن يكون لها مقدرة تفسيرية كبيرة (ولم أكن قد سمعت حينها عن ماكس فيبر وأطروحته الشهيرة عن علاقة الأخلاق البروتستانتية بالرأسمالية).
وقد استمرت هذه العادة معي.
كنت في ألمانيا لحضور مؤتمر عن الإسلام عام ١٩٩٦م، وكانت مرافقتي فتاة تعطف علي كأنها ابنتي تماما، وببراءة شديدة سألتها: ( هل أنت كاثوليكية؟)، فردت بالإيجاب ولكن بحنق شديد وكأني أهنتها.
وحاولت أن أشرح لها نظريتي عن الشخصية الكاثوليكية، وكيف أن الكاثوليك أقل فردية من البروتستانت نظرا لانتمائهم للكنيسة فإن الفرد يدرك نفسه بوصفه عضوا في جماعة، وأنها حينما ساعدتني بهذا الشكل ( فقد أصرت مثلا على حمل حقيبتي) خمنت أنها كاثوليكية.
ولكن برغم شرحي المطول لها ظلت حانقة علي، كأني كشفت سرا دفينا من أسرارها، إذ يبدو أنها كانت تتوهم أنها علمانية تماما، وأنها نجحت في التخلص من ماضيها وتوابعه.
د. عبد الوهاب المسيري في مذكراته ( رحلتي الفكرية)، ( ص: ١٨٨ – ١٨٩) بتصرف.