مقالات اقتصادية
سلوكنا الاقتصادي ومنظومة القيم
*سلوكنا الاقتصادي ومنظومة القيم*
هل سلوكنا الاستهلاكي يؤثر على القيم؟ وهل الممارسات الاقتصادية تعيد صياغة القيم المجتمعية؟
يقول الدكتور عبدالوهاب المسيري رحمه الله:
حين لا حظت تصاعد معدلات الاستهلاكية في المجتمعات الغربية كنت أظن في بداية الأمر أن الهدف من زيادة الاستهلاك هو زيادة الانتاج، وهي بالفعل كذلك.
ولكن حينما تعمقت في الأمر قليلا؛ وجدت أنها تهدف أيضا للضبط الاجتماعي وتنميط المجتمع.
[ومن ذلك]:
تصعيد معدلات الاستهلاك وجعلها المقياس الذي يحدد الإنسان من خلاله مدى سعادته ومكانته الاجتماعية.
فالاستهلاكية وصورة الإنسان الاستهلاكي التي تروجها الإعلانات التلفزيونية وأفلام السينما تحدد للفرد كل شيء ولا تتركه يحلم أحلاما خاصة، ولا أن يسلك سلوكا خاصا.
بل إن الاستهلاكية تحاول أن تحدد للمرء الغاية من حياته، أي أنها تضع الإنسان وأسرته داخل قوالب محددة، بحيث تصبح كل جوانب حياته مضبوطة من خلال حلم الاستهلاك.
فتصاعد معدلات [التنميط] في المجتمع أدى إلى اختفاء الفرد والقيم الثقافية والروحية والعقل النقدي القادر على التجاوز، حتى أصبح الإنسان كائنا ذا بعد واحد يرتبط وجوده بالاستهلاك والسلع؛ (فهو إنسان متسلع متشيئ).
الموضة (الأزياء) أكبر دليل على ذلك!
فالهدف المعلن من تغيير الأزياء إعطاء الفرصة للمرأة أن تجدد ملابسها حسبما يروق لها فتعبر عن ذاتها.
ولكنك لو دققت في الأمر لوجدت أنه لو أن كل امرأة أطلقت فعلا لخيالها العنان وعبرت عن ذاتيتها؛ فإن مصانع [ الأزياء] ستتوقف عن الدوران لأن سلوك المرأة لن يمكن التنبؤ به، ولن يمكن للاحتكارات أن تعد خطوط الانتاج المليونية!
هنا تأتي مهمة الأزياء، في أنها تقوم [ بتنميط] سلوك المرأة فتضع لها الخطوط الأساسية التي تتحرك داخلها ( الفستان الطويل الأخضر هو الموضة هذا العام، أما العام الذي يليه فهو القصير الأزرق) وبذلك يمكن التنبؤ بسلوكها ويمكن استيعابها واستيعاب أحلامها داخل خطوط الانتاج.
[ والمحصلة]: اختفاء الفرد والقيم الثقافية، والروحية، والعقل النقدي، وإلى تناقص استقلال الفرد وإلى تنميط الحياة، كواقع معسكرات الاعتقال المنضبط والتي تمت فيها الهيمنة الكاملة على الإنسان، ولذا يشير ماكس فيبر إلى الحياة الحديثة التي تم ترشيدها بأنها ” القفص الحديدي”.
مذكرات المسيري (رحلتي الفكرية)، ٢١٦ – ٢١٨، بتصرف.