كتاب برق خلب
Please select listing to show.
جاري تحميل الملف…
1 / 10
العلم في رحم الأيديولوجيا (الجيوبولتيك نموذجاً)
حينما ظهرت الثورات العلمية في أوروبا وتنافست كوادر الجغرافيا الأوروبية بالاكتشافات العلمية، وضاقت عليهم بقعة أوروبا، تلفتوا وبحثوا عن أراضٍ أوسع وكثافة سكانية أقل وموارد أوفر، لكن بقي التفسير والتبرير فكانت رحلة الكشوف العلمية.
في القرن السادس عشر بدأت الحقبة الاستعمارية من أوروبا لبقية العالم، وتقاسمت القوى الأوروبية خرائط ودول وشعوب وأمم، فمقل ومستكثر، ومما نشأ في ظروف تلك الحقبة التنافسية سؤال الهيمنة، سواءً الهيمنة على الشعوب المستعمرة، أم الهيمنة والتنافس مع دول الاستعمار الأخرى، ومن الذي يحظى بالموارد الوفيرة والثروات والموقع الاستراتيجي المؤثر؟ ولد من رحم هذا الاستعلاء الاستعماري مولود سمي جيوبوليتيك أو الجغرافيا السياسية أو ما يسمى بالجيوسياسية(١)، للبحث والتنقيب عن أدوات التأثير والهيمنة، ولكن ما استوقفني أثناء قراءة كتاب "أسس الجيوبوليتكا" حالة الاستعلاء الاستعماري والحتمية التي لامفرّ منها، بأن دول الهامش لا بد أن تُبتلع؛ مستندا إلى حقيقة علمية ادّعاها ومن ومن هنا توّلد سؤال عن علاقة العلم والأيديولوجيا وهي هنا أيدلوجيا الهيمنة والاستعمار؟ هل دعوى حيادية العلم لا زالت قائمة أم تمازجت أحياناً مع الأيدلوجيات؟ ربما الجواب لن يكون قاطعاً بنعم أو لا، لكن هناك قدرٌ من العلوم إنما نشأت وترعرعت في محاضن أيدلوجية، إذ العلم لا ينتج من فراغ، بل من فكرة عالم أو توجه مؤسسة علمية أو مجتمع يتبنى فكرة أيدلوجية، ثم ينتج من هذا معرفة، مع أنها قد مع أنها قد توقفك على أدوات التأثير داخل تلك العلوم لكن لا يتفي عنها الباعث الأيديولوجي، وربما يستفيد منها غير أرباب الفكرة وقد تدفع مؤسسات علمية معينة في تحديد وترتيب أولويات البحوث العلمية وتسويقها ونشرها في المجامع العلمية، ومن الأمثلة في هذا السياق: كيف ساهمت نظرية التطور الداروينية في التبشير والتبرير للداروينية الاجتماعية؟ ثمّ يُدّعى أن تلك حقائق علمية غير قابلة للنقاش وأحيانا يتم الخلط بين الحقيقة والنظرية والفرضية في ميزان علمي واحد ، أو يتم إنشاء نموذج كإطار أيديولوجي تحاكم من خلاله الحقيقة والمعرفة. وفي دراسة أنثروبولوجية (٢) توصلت أن الحقائق تبنى على الأدوات المتاحة فربما غيرت ندرة أو وفرة الأدوات على مفهوم الحقائق، والفيلسوف الألماني يورغن هامبرس ذكر أن المعرفة(٣) تنقسم حسب مصلحتها فهناك المعرفة التقنية يعني تهدف إلى التحكم والسيطرة وهناك المعرفة التأويلية يراد منها معرفة الهوية واللغة والحدود وهناك المعرفة التحررية والنقدية ومجالها الخروج من الهيمنة والسيطرة.
وإذا رجعنا بك إلى موضوع الجيوبوليتيك وجدناه خليطا من علومٍ ومعارف اقتصادية وجغرافية وتاريخية يُراد من معرفتها التوصل إلى أدوات التأثير للهيمنة عليها والتحكم بها. ف"إسكندر دوغين" يبشر بفضاء روسي يهيمن على القارات الثلاث، و"ماكندر" يحذر بريطانيا العظمى من مكامن الضعف. و "في دال دي لابلاش" يصوغ لفرنسا أثر البيئة في تشكيل الدول. المهم أن ندرك امتزاج العلم بالأيدلوجيا في هذا المقام، لكن هذا لا ينفي فعالية النظريات العلمية في الواقع.
ولعل القوم فهموا قول ابن المعتز:
فَإِن فُرصَةٌ أَمكَنَت في العَدُو…فَلا تبدِ فِعلَكَ إِلّا بِها
فَإِن لَم تَلِج بابَها مُسرِعاً …أَتاكَ عَدُوُّكَ مِن بابِها
تحرير أ. عبدالله السليم
ـــــــــــــــــ
(١) تفرق الدراسات الأكاديمية بين تلك المصطلحات فروقاً دقيقة، ويعبر بعضها بدل بعض في الإعلام.
(٢)دراسة بعنوان: حياة المختبر، بورنولاتور و ستيف وولجار , ١٩٧٩م
(٣) في كتاب المعرفة والمصلحة. منشورات الجمل.
3
2
✦✦✦✦✦✦✦✦✦✦✦