مقالات عامة

نظّارات التحيّز: كيف نرى ما نعتقد فقط؟

أ. عبدالله السليم سبتمبر 22, 2021

الناس ميَّالون بطباعهم إلى النظر والاستئناس بالأفكار التي تؤيد مايعتقدون، والتعامي عما يخالفها، وبناء فكرة أن جميع تصرفاتهم واختياراتهم مبرهنة منطقية= صحيحة، لاتحتاج إلى إعادة نظر أو تأمل، لذا فهم يرتدون نظّارات تؤكد تصوراتهم، وتُسمى هذه الحالة (الانحياز التأكيدي)

يرى بعض الباحثين أن الانحياز التأكيدي أبٌ لكل أخطاء التفكير؛ لأنه يميل إلى تفسير المعارف والمعلومات الجديدة بما يتوافق مع الرؤى والنظريات التي سكنت في عقل متلقيها دون العناء والبحث والتقليب والتأمل في الحقائق الأخرى، وإشكالية (الانحياز التأكيدي) أن العقل يركز على مايؤكد نظريته من الحقائق والبراهين، ولو اطّلع على برهان مضاد لنظريته فإنه يتلاشى سريعاً ويُنسى، وأن الحقيقة اللاتأكيدية تُعتبر حالة خاصة واستثنائية بناء على أن ماانحاز إليه حقيقة أصلية، ولكي لا نغرق في التجريد فإن في الأمثلة إيضاحاً واسترواحاً يعين ويغني عن الاسترسال في القضايا الجامدة:

تمتلئ رفوف المكتبات بكتب من نوع وسائل النجاح والسعادة وتُقدم وسيلة “التأمل” كمفتاح سحري للسعادة الوجدانية، وبطبيعة الحال يجد المؤلفون أكواماً من الأمثلة تؤكد صحة مقولتهم، لكن لو بحثنا عن دليل مضاد لوجدنا كتلك الأكوام من الأمثلة والمعطيات لأُناس يعيشون بسعادة دون ممارسة تمارين التأمل، ووجدنا تعساء من ممارسي التأمل، وهكذا يقع الناس في فخ الانحياز التأكيدي دون شعور.

ومن إشكاليات هذا التحيز أنه يستدعي ويجمع جميع المؤثرات والعوامل بما يؤكد نظرته من أخبار وبرامج وثائقية ومواقع انترنت وصفحات تواصل، مما يؤثر – ضمناً – على الموضوعية في الحكم والتعاطي مع الأمور – مع أن بعض النقاد يزعم أن نزع الموضوعية أدعى لفهم الأفكار وسبر أغوارها؛ إذ أن الخصومة محفز قوي في التفتيش عن عوار الأراء وتناقضها-

عموماً: التحيز التأكيدي حقيقة بشرية يصعب التملص منها بسهولة وليست دائما سلبية، وتقنيات العصر عززت الانحياز التأكيدي وبنت عليه الذكاء الاصطناعي؛ بحيث تظهر لك الصفحات التي تؤيد أراءك.

وبعد؛

فما أعذب وأحكم قول الشافعي رحمه الله في لملمة شعث هذه الحقيقة حين قال:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة

ولكن عين السخط تُبدي المساويا

برأيكم : هل هناك أمثلة إيجابية للانحياز التأكيدي؟