مقالات تاريخية

مسيرة التاريخ بين الاستشراف والواقع

أ. عبدالله السليم يوليو 15, 2025

إن التاريخ منح مفسريه مزيدًا من النظر والتأمل؛ فهو متجدد وأعضائه متفاعلون، ومفسّريه ينتقلون من مربعٍ لآخر، ويجددون النظر من زاويةٍ إلى أخرى، يصدّق الواقع أحياناً استشرافهم ويخالفها في كثير من الأحيان، والمتفق عليه أن مسيرة التاريخ ليست على نسق واحد ومفسري التاريخ لا زالوا يتزودون بأدوات تساعدهم على فهم: كيف وقع هذا؟ وما المتوقع حدوثه؟

يغلب على اتجاهات تفسير التاريخ وضع شروطٍ لتفسير التاريخ – وغالبا ماتكون الشروط قبلية- ينطلق منها المتفلسف في تفسيره للوقائع التاريخية فمنهم من يميل إلى تغليب الجانب المادي ونفي أي جانب يعارضه، ومنهم من ينزع إلى الفلسفة ويحقّر الجوانب الأخرى، لكن غالب من فسّر التاريخ لم يذكر أو غفل عن التفتيش في طبيعة النفس الإنسانية والانطلاق منها لتفسير ما مضى من وقائع والاستشراف لما سيقع، والفكرة مختصرة: أن الإنسان هو المؤثر المتأثر في حركة التاريخ، وأفعاله لها دوافع تنطلق من طبيعته الإنسانية، وطبائع النفس البشرية وافرة متعددة منها ما ذُكر في الوحي -قرآناً وسنةً – مثل : حالة الاستغناء التي تورث أحياناً الطغيان، أو طبيعة النفس في حب المال والاستكثار منه، أو طبيعة النفس في حب ذاتها، أو استئناس النفس الإنسانية بغيرها، فهذه الأمشاج من الطباع قد يطغى بعضها على بعض فيؤدي إلى إشكالية أخرى، مثل طغيان حب النفس يؤدي إلى الفردانية… وليس الحديث هنا عن تفاصيل طباع النفس البشرية وإنما التنبيه إلى أهمية الالتفات لها بنظرة شمولية، وتكون بـ : التفتيش في مظان الحديث عن طبائع النفس البشرية وكما ذكرنا -آنفاً- ما بُث في الوحي قرآنا وسنة من الحديث عن النفس البشرية وطبائعها وتقلّباتها، وفي التراث ما خُطّ في كتب السلوك، وما كُتب في كتب الحكمة، وما نُثر في عامة كتب التراث من فقه وحديث كأن يقال”… والنفس تتشوف، أو هذا موافقاً لفطرة الإنسان…” ومن المظان ما كتبه علماء النفس عن طبيعة الإنسان، ثم النظر إلى هذه الطبائع وقيمها في كل عصر وزمن؛ فإن المادية أكثر اهتماماً في عصر الاستهلاك منه في زمن مضى، وعليه يقاس باقي الطباع فإن طبائع النفس تختلف قيمتها من ظرف لآخر، ثم ننتقل إلى تفسير التاريخ مستصحبين معنا أدوات فهم النفس البشرية لكي نصل إلى استشراف يقارب الواقع. إن التعرف على طبائع النفس البشرية المبثوثة في الكتاب المسطور والكون المنثور تقود ولو بنسبة إلى تفسير أكثر واقعيةً ورشداً للتاريخ.

تحرير أ. عبدالله السليم