مقالات عامة
لماذا كانت سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن؟
مذ كنت طفلاً وأنا أتسائل عن سبب كون سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن، وكان تساؤلي كسولاً: إذ لم اسأل أو أبحث عن الإجابة، وإنما بقي التساؤل حاضراً، وإن أُجبت من أحدهم كانت إجابته مجملة غير واضحة، ومع سيري ومصاحبتي لطلبة العلم📚 سمعت الاعتبارات بهذه النسبة والتقسيم بأن القرآن “أحكام وأخبار وتوحيد” وتمحضت سورة الإخلاص في التوحيد.
قد لا يهم هذا التأويل وإنما المهم هنا الوصول لحقيقة أن جزءاً عظيماً من آيات القرآن هو فيما قصَّه الله من أخبار الأنبياء وأحوال الأمم السالفة، في هذا الموضع استأذنك أخي القارئ أن ننيخ مطايانا قليلاً مع القصص القرآني، أو بعبارة آكد للوصول إلى مقصد (الاعتبار) من القصص القرآني.
لم تكن قصص القرآن لأجل ما يستدعى به نوم الأطفال🛏👼، أو لإقامة ثقافة ومعرفة باردة❄️ غاية ما لديها الحقيقة التاريخية وأكثر من ولج في تخصص التاريخ يربأ بنفسه أن يكون هذه همه وهاجسه، وإنما يُتخذ من التاريخ أهدافاً🎯 أسمى، سنحاول أن نركز على قيمة (الاعتبار) من قصص القرآن.
جاءت قصص القرآن مشبعة بالقيم والتوجيهات لكل تالٍّ لكلام الله في هذه القصص، فجاءت قصص الأنبياء باختلاف أحوالهم لتضيء للساري شعلاً يستهدي بها دربه، ومع توافر قصص الأنبياء يندر أن توجد مشكلة عند المصلحين إلا ويوجد في قصص الأنبياء قبس🕯 وهداية لحل مشكلاتهم ابتداءً من إشكاليات التوحيد وهي أس دعوة الأنبياء إلى المشكلات الاقتصادية كما في قصة شعيب ويوسف عليهم السلام، حتى مشكلة فوران الشهوة كما في قصة يوسف عليه السلام، ولو جمعنا المعوقات التي تواجه طريق المصلحين لوجدنا في قصص الأنبياء ما يعالجها.
المتأمل لطبيعة القصص –عامة– والحكايات الشعبية يجد حضوراً لعنصر (الحبكة، والشخصيات التي عليها مدار القصة “أبطال القصة” و أدوارهم في الحكاية، ومسببات أفعالهم …) والمطالع للقصص القرآني يجد هذه العناصر حاضرة مما يجعل التالي للقصة منجذبا ومندمجا مع وقائع القصة وتسلسلها، وموجهاً بما يعود عليه بالعظة والاعتبار، ولقد جاء القرآن بذكر بني إسرائيل كثيراً وحكى لنا أفعالهم مع أنبيائهم ورسلهم، ليجعل لكل جيل من أجيال الأمة تمر بالأدوار التي مر بها بنو اسرائيل وتقف من دينها وعقيدتها مواقف شبيهة بمواقف بني إسرائيل فعرض عليها مزالق الدرب مصورة في تاريخ بني إسرائيل، لتكون عظة وعبرة ولترى صورتها في هذه المرآة قبل الوقوع في تلك المزالق أو اللجاج فيها على مدار الطريق.
ومن أعظم ما تطرحه القصص القرآنية (إحياء جانب القدوات) في أشخاص الأنبياء ودفع المصلحين إلى دراسة ومطالعة وتدريس سيرهم –عليهم السلام-، لأنه كلما كان الشخص أعرف بقصص الأنبياء كان أعظم إيماناً ومحبة وتوقيراً لهم، ومن أعجب ما يمر بقارئ القرآن حينما يمر بقصص الأنبياء:
الحضور الروحي مع القصة، يُعبر عنه سيلان الدمع، مع معرفة تامة بوقائع ونتائج القصة، ترى هذا حينما تُتلى قصة يوسف عليه السلام فيتكرر البكاء كلما تُليت القصة، وبعض الأحوال لا يستشعرها الإنسان كامل الاستشعار إلا إذا مر به تجربة شبيهة أو كان مما اختصه الله بشأن، وخير ما يستوضح به المقال ذكر المثال: مهما قرأ الرجل في كتب التفاسير واطلع على معاجم اللغة وغريبها، لن يستوي في معرفة ألم مخاض مريم -عليها السلام– مع وجع الانفراد وألم قلبها مما قاله الناس، حيث تمنت أنها ماتت قبل هذا الحادثة وكانت نسياً منسياً– لن يستوي شعور هذا الألم بين المرأة والرجل أبداً إذ حالتها مما اختص الله به النساء.