مقالات تاريخية

فوائد التاريخ

أ. عبدالله السليم سبتمبر 13, 2020

،،

فوائد التاريخ غزيرة جمة، ومحاولة تعديدها وتصنيفها عمل اجتهادي يختلف فيه المؤرخون وتدور فائدة التاريخ حول أمرين:

١. فهم السنن التي تسير بها الحياة والتي تعبر عنها طبائع الإنسان والاجتماع ومسار صعود الأمم وهبوطها وظروف قيام الحضارات وسقوطها وما إلى ذلك.

٢. مايترتب على هذا الفهم من العمل، وهو مايعبر عنه بمعاني الاعتبار والاقتداء والاستفادة من التاريخ وشخصياته المؤثرة.

وثمة أمر ثالث ينبع في حقيقته من الأول، وهو أن قارئ التاريخ يستخلص منه نظرية يُفسر بها التاريخ ويفهم بها سنن حركته، وهذا ماينبغي أن يحصل له بعد قراءة واسعة، لكن الواقع أن كثيراً من أصحاب النظريات يطلقها ويتبناها دون أن يحصل له الاستقصاء اللازم والإحاطة الكافية بالتاريخ التي تؤهله لإطلاق نظريته، فهنا يعمل صاحب النظرية على الاحتجاج لها بالتاريخ فيوظف التاريخ لإثبات نظريته، وهذا الواقع ترتب عليه نتيجتان كبيرتان:

أ. اشتداد الخلاف بين المؤرخين والفلاسفة، فالفلاسفة يطلقون النظرية العامة التي تفسر الحياة، ويستدلون عليها بأحداث تاريخية، لكن المؤرخين الذين يهمهم التدقيق والتمحيص كثيراً مايكتشفون ثغرات تاريخية في النظرية، يمكن أن تكون هذه الثغرات : إغفال حوادث مؤثرة أو خلط في ترتيب الحوادث بتقديم ماوقع متأخراً وتاخير ماوقع قديماً، أو صعوبة استيعاب الفترة التاريخية أو غير ذلك.

فيدفعهم هذا للطعن في النظرية التي بنيت على جهل وعلى غير أساس متين، بينما يرى الفلاسفة أن هذه من تشددات المؤرخين وحرفيتهم وظاهريتهم وقصر نظرهم وتمسكهم بالتفاصيل التافهة.

ب. ظهور مايسمى بـ” القراءة الأيديولوجية للتاريخ” وهذا مصطلح في الذم ويقصد به الانتقاص، وهو بمعنى أن يكون للمؤرخ أو الباحث فكرة مسبقة وقناعة قائمة، وإنما هو يبحث في التاريخ لتوكيدها وتعزيزها وليس لفحصها واختبارها، فهو يقرأ ويكتب من أجل الانتصار لها والرد على خصومها، لكن واقع الحال في الدراسات التاريخية يتم التفريق بين نهجين فإذا كان المؤرخ قد أخرج بحثه الذي كتبه في ضوء قناعته هذه فظهرت فيه العيوب المنهجية من قلة الاستقصاء والاختزال والتعميم والقفز إلى النتائج ونحو ذلك فهذه ” قراءة أيديولوجية” مذمومة مثيرة للانتقادات والطعن، وأما إن سلمت بحوثه من هذه العيوب المنهجية العلمية فلا يعد ذلك عيباً، بل إن كثيراً من الدراسات التاريخية تجعل الفصل الأول منها للتصريح بأن هذه الدراسة تعتمد على أفكار الفيلسوف الفلاني أو أفكار المدرسة الفلانية في الفلسفة، فهي إذن قراءة تاريخية تسترشد بنظرية في تفسير الوقائع وتحليلها.

إذا فهمنا ما سبق فإنه يمكننا أن نضيف هذه الفائدة الثالثة للتاريخ، وهي : الانتصار للفكرة  أو الدين أو المذهب بشرط أن يكون هذا مبنياً على الأدلة القاطعة الكافية.