مقالات اقتصادية

على هامش نهب الفقراء (٢): شركات الهند الشرقية

أ. عبدالله السليم ديسمبر 6, 2024

على هامش نهب الفقراء! (٢)

قد يكون مرّ على ذهنك يوما اسم”شركة الهند الشرقية البريطانية” العملاقة وظننت أن لم يكن غيرها من الشركات تحمل ذات المسمى وتقوم بنفس الأدوار، فهناك شركة الهند الشرقية الهولندية، ومثلها شركة الهند الشرقية الفرنسية… مما يجعلنا أمام حالة أوروبية عامة مهّد لها الوضع السياسي وصاحبهُ النهم الاستعماري الذي ضرب القارة طولاً وعرضًا.

ما إنْ حطّت قدما “فاسكوا ديجاما” البرتغالي سنة ١٤٩٨م أرضَ الهند والشرق الأقصى إلا ودشّن معه طلائع المرحلة الاستعمارية فأصابت أوروبا بعدوى التوسع والانتشار ونهب الموارد، والمستهدف”كل ما كان خارج القارة الأوروبية” فأصبحت رحلة “فاسكوا ديجاما” الاستكشافية -كما سُمّيت!- حاملةً معها أُولى البذور للشركات العابرة للحدود والقوميات، فبعد أكثر من (٢٠٠)سنة دُشنت في أوروبا شركة الهند الشرقية البريطانية تلتها شركة الهند الشرقية الهولندية، ثم شركة الهند الشرقية الفرنسية، وقد كانت تلك الشركات بمثابة دولٍ تغزو وتحتل وتنهب بغطاء سياسي من الدولة الأم؛ إذ كان عدد جنود الشركة في أوج مراحلها يفوق عدد جنود تلك الدول وأسطولها البحري أكبر من أساطيل دولٍ مجتمعة، وهنا تساؤل: لماذا لم تكن الدولة الهولندية أو البريطانية هي الشركة إذا كانت بهذه الضخامة؟ قد يُقال: أن مرحلة التأسيس كانت أضعف مما آلت إليه الشركات فيما بعد؛ بدليل أن مُلك الشركة البريطانية صار فيما بعد ملكًا للدولة سنة (١٨٥٨م)، أو يُقال أن الدول الدول الأوروبية قد أغراها خدمة الشركة للنظام السياسي فتركتها وأخذت منها الضرائب دون أي جهد يُذكر.

بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها انتهت آخر شركة عابرة شركة الهند الشرقية البريطانية (١٩٤٧م) وبدأت مرحلة جديدة في النظام السياسي العالمي الجديد وانبثقت منه مؤسسات اجتماعية واقتصادية كانت الحضن الملائم والبيئة المناسبة لنشوء شركات عالمية متعددة الجنسيات وقد غلب عليها الشركات الأمريكية، فأخذت طابعًا أكثر تخصصاً من الشركات الشمولية التي اشتهرت في القرن الثامن عشر، لكن في هذه المرحلة تضاعف عدد الشركات وسهل التواصل والعبور من أسواق الدول المتقدمة  إلى كل أسواق الدول النامية ؛خاصةً أن الفترة حديثة عهد بالاستقلال من الاستعمار الغربي، فانفتحت أمام الشركات العالمية فرص العقود والامتياز مع الحكومات الناشئة في الدول النامية مما عظّم وضاعفَ أرباح تلك الشركات وأعطاها امتيازاً ونفوذاً في البلدان النامية، وظهرت سمة أن الشركات التي تمنح خصيصة يكون لها علاقة بالمستعمر قبل رحيله وأحياناً تكون الشركات ملكاً للدولة المستعمِرة أو تملك نصيبا منها، فأعطى لتلك الدول المتقدمة وشركاتها احتكاراً للعقود وأولوية لموارد البلدان النامية، وبذلك خرجت البلدان النامية من شرنقة الاستعمار المباشر إلى احتكار الموارد الذي يُمنح للشركات العابرة.