مقالات اقتصادية
على هامش نهب الفقراء (١)
على هامش نهب الفقراء!(١)
في عام 1529م عُقد في مدينة سرقسطة معاهدة سميت باسمها بين إسبانيا والبرتغال-وكانت آنذاك من أقوى البلدان؛ والشاهد على ذلك آثاره الإستعمارية- وقد تضمنت المعاهدة بنودا عدة من ضمنها تقسيم مواطن القوة والنفوذ في العالم “كل العالم!” وأحقية الاستعمار وبسط النفوذ السياسي والاقتصادي و…، متغافلين أن في العالم أمماً وشعوبًا تحمل أديانًا وثقافات غير التي يريدون أن يبشروا بها، وعلى إثر معاهدة سرقسطة بدأ عصر الاستعمار.
إن الناظر والمتأمل لأوروبا في تلك الحقبة يلاحظ تزامناً بين أفكار أو بعبارة أخرى يرى مناخًا فكريًا وسياسيا آخذا في التشكل ستكون له تأثيرات على العالم أجمع، ولعل عين الناظر لا تغيب عن مثل النقاشات التي الفكرية -عام 1513م- التي أثارها كتاب “الأمير” لـ “نيكولو مكيافيلي” وكيف رتّب وأعاد النظر في النظرية السياسية فجاء مبشراً بأفكار تُعلي من القوة و تفاضل بين المثالية والواقعية، وكيف استقبل مفكرو وفلاسفة ذاك الزمن وجهة نظر الكتاب، إلا أن الثابت أن “الميكافيلية” أضحت نظرية سياسية تؤثر في السياسات الأوربية بعد ذلك، وأرجو أن لا تبتعد عين المتأمل، ففي ذاك المناخ بدأت بذور أفكار عصر التنوير من زخم الإعلاء من شأن العقل، والاختلاف في مفهوم العلم، وتراجع بريق “المقدّس” داخل البيئة الأوروبية وأحيانًا الجرأة على المقدس، ثمّ استُكمل ذلك بتعزيز فكرة المركزية الأوربية في العلم والفلسفة والفن ومن العجيب في هذا السياق أن شعوبا عدة خارج جغرافية أوربا ادّعت أن أصولها أوروبية وحاولت أن تستمسك بأي شيء تُمنح على إثره الدخول لنادي أوربا؛ لذلك فمن الطبعي بعد ذلك أن تدّعي الأعراق والقوميات الأوروبية التفوق على باقي أمم الأرض، وهو ما وضعت بناءه في تلك الفترة المدرسة التطوريّة وتوصّلت إليه من نتائج حتى يومنا هذا لعل آخرها كتاب في عام 2014 يوكد كاتبه “نيكولاس ويد” أن اختلاف الجينات هي سبب تفوق الغرب على باقي الأمم، فإذا كان هذا مستقراً في عقول القوم فإن دعوى أحقيّة العيش المُثلى ولو بالتسلط على الشعوب ونهب مواردها نتيجة متوقعة.
ربما مرت عليك كثير من المصطلحات وما حملته من أفكار لكن القيمة تكتمل إذا قرأنا تلك الأفكار من البيئة والمناخ الذي خرجت منه، فنسطيع أحيانًا بهذا الأسلوب أن نربط بين الأفكار ربطا منطقيًا يجعلنا نفهم الفكرة بعمق، والمراد من هذا السرد والقفز بين الأحداث والأفكار التعرف على البيئة التي نبتت فيها الشركات العابرة للقومية، وهو ما سنتكلم عنه -إن شاء الله -في المقالة التالية.