مقالات عامة

علوم تجاوزها الزمن: في تقادم المعارف والتقنيات

أ. عبدالله السليم ديسمبر 23, 2022

دخلت إحدى المكتبات القديمة، ووقعت عيناي على كتاب أُسهب في الثناء على سهولته في تعليم برنامج أوفيس وورد(١٩٩٥) فأومض فيّ فكرة كانت خافتة أيقظها هذا المثال الواضح: في أن بعض العلوم والتقنيات تطورت وربما تجاوزها الزمن، فلم تعد ذا بالٍ لدى أهل الاختصاص… هي هكذا في كثير من العلوم الإنسانية وما يتعلق بها من تقنيات، فأين التلغراف ورموزه بعد استحكام الإنترنت!

علم الاقتصاد من العلوم التي طرأ عليها تحوّل وتبدل وتطور في مفاهيمه أو تقنياته، بل إن أحدهم وصف علم الاقتصاد بأنه كائن حي، علمٌ لم يتوقف عند لحظة آدم سميث أو كارل ماركس وإنجلز، ولا كتاب “رأس المال” و “ثروة الأمم” بل استجد عليها تشعّب وتحديث وربما تجاوز، فهل يكفي المهتم أن يطالع مثل هذه الكتب التأسيسية ثم يقف يرى الواقع يسير بغير ما قرأه وتصوره من الكتب؟ أم يصاحب قراءته قراءات معاصرة ونظر في الواقع؟ لا يغيب عن بالي مثال قصور فهم بعض طلبة العلم عن حقيقة الأوراق النقدية، وأن لها ما يغطيها من النقدين – الذهب والفضة- والواقع أن الاقتصاد العالمي تخلّى منذ زمن عن هذه الدعوى، ونحن نفسر الواقع لا ننشئه حسب رؤيتنا.

حسناً… هل يُفهم من هذا عدم أو قلة نفع كلام موسسي العلم وكتبهم التأسيسية؟ بالطبع لا؛ ففيها الفهم الأولي والمثالي للفكرة، مع ما يصاحبها من تسلسل تاريخي لنشوء المفاهيم والأفكار، ويعرف المهتم والقارئ من هذه الكتب الاتجاه والرؤية كأن يعرف سمات المدرسة الاقتصادية الاشتراكية أو الراسمالية، وتعطيه توازن في التعامل مع أفكار تلك المدارس، ومعرفة ماآلت إليه هذه المدارس الاقتصادية، كالتحول من الليبرالية الاقتصادية الكلاسيكية إلى النيولبرالية، أو الزلزال الذي قوّض الاشتراكية بعد تفكك الاتحاد السوفيتي فنشأت من تشققاته الاشتراكية الجديدة، وأظن أن هذه سمة طبيعية في غالب العلوم الإنسانية.