مقالات إعلامية

شيء من الأساليب: قراءة في “المتلاعبون بالعقول”

أ. عبدالله السليم ديسمبر 8, 2023

شيٌ من الأساليب!

انقدح في ذهني وأنا أتصفح كتاب “المتلاعبون بالعقول” لـ هربرت شيللر وقد وجه عامة حديثه عن الإعلام أسئلة وإشكالات؟ لا بأس أن أشارككم بها وهي من جنس: لماذا يريد فئة “ما” التلاعب بعقول جماعة “ما”؟ هل كل ما يبث في الإعلام من قبيل التلاعب والتعمية عن الحقيقة؟ ما هي أساليب هذا التلاعب؟ لعل أسهل سؤال بسط فيه ” شيللر” الحديث وأقرب سؤال يناسب أدوات الإعلام سؤال الأساليب.

الأساليب: هي الطرق والمذاهب والاتجاهات المتناسقة التي تُسلك للوصول إلى مراد. أما التلاعب: هو العبث بالشيء ومع اقتران المصطلحين نستطيع استشراف النتيجة وهو ما عبّر عن المؤلف بحدية ووضوح بـ “الوعي المُعلّب” وأساليب التلاعب عديدة نسرد منها ما يسمح به المقام؛ إذ بعض الأساليب تكون نتيجة أكثر من مقدمتين! فيطول ذكرها، من جانب النظر إلى الإنسان فإن أنجع الأساليب تلك التي تُخاطب وتسير مع شيء من طبائع الإنسان المتلقي، مثلاً: طبيعتنا البشرية مُحبة للمال كما قال الله ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخَيرِ لَشَديدٌ﴾ [العاديات: ٨] الخير: المال، فلو سايرت حملة دعائية – ولو كانت مخادعة – طبيعة محبة المال بإعطاء أرباح فائقة تفوق الحقيقة أضعافاً فستجد استجابة الناس أكثر سرعة وقبولاً ممن يقدم لهم الرقم الحقيقي؛ لما وافق هوى يتطلبونه، ومثله الميل إلى الشهوة فإن الطبيعة الإنسانية ميالة إلى شهواتها فإذا بُثت الشهوات فإن تقبّل الناس أكثر من إحجامهم وهذه حكاية حال لا تبرير، إن الغوص والنظر في الطبيعة الإنسانية واستخراج مكنونانها يعتبر مفتاح أسلوب للتلاعب كخُلق الأنانية ومحبة التفرد المنتشية بوهم حرية الاختيار، إذ المرء-في الغالب- يهوى نمطاً ولوناً معيناً من الطرح للقضايا فتكون استجابة الآلة الإعلامية بما يُشبع نهمه وهواه تُصاغ وتُرسم باحترافية عالية رُسمت بدقة فيكون قبوله لا من البحث والتمحيص وإنما القالب الفكري المنحوت قد وافق طبيعته وهواه.

يقودنا هذا إلى أشهر الأمثلة وإن كانت جزئية في التقسيم إذ تنضوي تحت قسم أكبر منها، إلا أنها متغلغلة التأثير وهي: استخدام الصورة باحترافية عالية تفوق الصورة الحقيقة في بث الرسائل المُراد إيصالها، يذكر المؤلف هربرت شيللر أثر أفلام “سيلفستر إنزيو ستالون”المشهور في الذاكرة بـ “رامبو”وما شابهها من الأفلام في سرد بطولات الجيش الأمريكي في فيتنام؛ ليعزز الموقف السياسي باستمرار الحرب هناك، كذلك من الأساليب المرتبطة بث روح الخوف من عدو خارجي في تمرير الرسائل واستخدام لافتة التخويف في السيطرة على عقول المتلقين، ومما له صلة وارتباط بهذا النمط أسلوب “كثرة النشر” في القضية الواحدة على عدة منصات كما في المثال السابق فتقام مناسبات ومهرجانات حضورية مع أبطال الأفلام وإقامة المعارض على الآت الحربية التي تم التمثيل بها ثم مع تغطية هذه الفعاليات الكبيرة تكون الكاميرا الصحافية والصحف والمجلات قد أعدت عدتها لتناقش موضوع الفيلم والموقف من محتواه، يضارع هذا النمط أسلوب “التكرار” إلى كافة الفئات حيث يكون أحياناً معالجة للموضوع بعمق أو أقل من ذلك مع أن أهم فكرة ناجحة لمخاطبة الجماهير هي “تبسيط الرسائل” التي يراد إيصالها، ولو أخذنا المثال السابق “حرب فيتنام” على تبسيط المحتوى وأساس القضية سياسياً واقتصادياً وماله علاقة بالنفوذ والتاريخ وجدناه متشعبٌ عميق إلا أن آلة الإعلام نجحت في تبيسط القضية وجمع الحشود لنصرتها بما يشبع نهم المتلقي ويربط على قلبه من العدو وإن كان الواقع أمراً مغايراً.

لا يبتعد الحديث كثيراً حين الكلام عن أدوات الرسالة المهنية التي تحمل مضامين الأفكار بأسلوب ينحى دائماً إلى تجنب الصلابة والميل إلى النعومة بحيث يتلقّاها دون مقاومة أو مناقشة أو نظر واستشكال، ولنا في تمرير حملات الفطرة المنتكسة في المجتمعات الغربية مثال شاهدٌ – وإن كانت ليست المؤثر الوحيد والٱقوى- إلا أن أصداء الفكرة بلغت الآفاق بفعل وسائل الإعلام، وإن أردنا أسلوباً يجعل المتلقي يُلعب فيه على وتر حساس فإدعاء الموضوعية مع إقرار بعض رموز الإعلام والواقع يشهد به استحالة وجود وسائل إعلام لا انتماء لها أو أجندة، لكن يبقى الإحتراف الخادع في تمرير الرسائل أو الطرح الفاضح في مواجهة المتلقي، والموضوعية كفكرة هي أقرب للاختيار والاجتهاد الذاتي من المتلقي أكثر منه للوسيلة الناقلة؛ إذ غالب من يبحث عنها لديه مقررات سابقة لكثير ممن يشاهد.