مقالات اجتماعية
سياحة التراويح
سياحة التراويح
جاءت السنة النبوية بشعيرة التراويح وهي ضربٌ من قيام الليل، يختلف عن قيام الليل المعروف -للرعيل الأول- وهو أن يكون جماعة مثل الصلوات المفروضة، يؤمهم أجل وأوجل وأندى من قرأ القرآن -صلى الله عليه وسلم- كيف وهو رسول النور المبين إلى الثقلين أجمعين، فلا عجب أن يتسابق الصحب الكرام -رضوان الله عليهم- لتلك الغنيمة ليلة بعد ليلة، حتى غصّ المسجد بالناس، فامتنع -صلى الله عليه وسلم- عن أن يصلي بهم خوفاً أن تفرض على الأمة، وصار الناس يصلونها جماعات وفرادى حتى أُشير على عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أن يجمعهم على إمام واحد، فأصبحت تلك سنة عمرية ماضية من عهد الفاروق إلى ما شاء الله.
صلاة التروايح من أوضح الشعائر الرمضانية الظاهرة التي يجتمع عليها الناس، يزيد فضلها ارتباطها بأعظم فريضة عمليّة على المسلم “الصلاة” فإن في الصلاة فريضة كانت أم نافلة عروجًا وتألقًا بالروح من وعثاء سفر الحياة وكدّها وجلدها ومشقتها إلى استرواح وسكينة واطمئنان (أرحنا بها يابلال) يظهر ذلك جليّاً في أكثر ما يقضي به المصلي تراويحه وهي عبادة الاستماع إلى القرآن وتأمل الآيات والعروج بالروح فيها لعظمة الكلام المتلو وسطوته على النفس، ائتوني بكتاب من قبل هذا ومن بعده يزداد جمالاً للقارئ والمستمع بكثرة التلاوة الترداد! يسيحُ المصلي مستمعاً قصص الأنبياء- عليهم السلام – من قصة آدم وحواء إلى نوح وقومه إلى موسى مع فرعون وما حصل لهم وأتباعهم إذ يُحيي في نفسه ولاء ومحبة ونصرة لأنبياء وأولياء وارهم التراب منذ أمداءٍ بعيدة إلا أن القضية والمصير متحد في الصراع بين أهل الحق والباطل، حتى أساليب الباطل التي قصّها القرآن متقاربة كل زمان ومكان، الوجوه وحدها هي المتغيّرة… يسيح ويعرج المصلي في التراويح في التفكّر في أسماء الله الحسنى وصفاته العلى وأفعاله جل وعلا؛ فيعلم معنى العبودية لربٍ عظيم متعال بذاته وقدرته وأفعاله، يطّرح بسؤله على بابه فهو “الصمد” والسيّد الذي كمُل في سؤدده وغناه، وهو “الصمد” المقصود في قضاء الحوائج، فأي طمأنينة تتنزل على فؤاد العبد المصلي وأي شرفٍ وعِزوةٍ وتلك آلاء وصفات من يناجيه جل وعلا…
ومـما زادني شـرفـاً وتـيــهـاً
وكدتُ بأخمصي أطأ الـثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي
وأن صـيَّرت أحمدَ لي نـبيـا
ويسيح مصلي التروايح في آي الكتاب بين خوف من وعيد الله وغضبه وناره وأفعال من استحقوا الوعيد، ووعد بمغفرته ورحمته وجنته وصفات وأعمال من يكرمهم الله بوعده، أما إذا ارتقى المصلي من عبودية الاستماع إلى عبودية السجود؛ فكأن القراءة رقّقت قلبه وسقته من معين القرآن، فإذا سجد انفتح أمامه باب المناجاة والدعاء بما يحمله قلب المصلي من غموم وهموم وأماني وتلك أقرب حال بين المصلي وربه، تلك بعض وجوه سياحة التراويح والقيام مع أن لكل صائم وقائم سياحة وتجليات مختلفة عن غيره وإنما هي تذكير وذكرى.