مقالات اجتماعية
زمن الترندات والبحث عن الذات
يطغى على زمن”الترندات” الضبابية؛ مما جعل الإنسان المعاصر يطيل البحث عن ذاته، ويفتش عن أي شيء يطبع على ذاته معنى ليكون له حضور يميزه عن الآخرين، لكن انهيار الأفكار الصلبة واستبدالها بمفاهيم سائلة وأدوات متغيرة، جعلت الأمر أكثر صعوبةً على الإنسان أن يكتشف ذاته.
تعتبر وسائل التواصل الاجتماعي أقوى مستجد طرأ على الإنسان المعاصر في تغير هوية حياته ونمط عيشه؛ إذ تحولت وسائل الإعلام من أداة يستمع لها غالب الناس، إلى وسائل تواصل يتفاعلون معها، وربما أنشأ بعضهم محتوى يخاطب به الفئات التي كانت تخاطبها وسائل الإعلام التقليدية(١)، مما دفع كثيراً من الناس إلى استخدام تلك الأدوات التواصلية، ولأجل أن يضمن المرء حضوراً ومكاناً في إنشاء أو التفاعل في المنصات، لزم أن يجاري الترندات الرائجة ويتفاعل معها بنفس الأسلوب الذي يراه، فكأن المرء يتعرف على ذاته ويستمد قيمته من حضوره في الترندات، وتفاعل المتابعين معه. حتى أضحى أمام الآخرين مرآة يحاكم بها تصرفاته، وكما يعبر “تشارلز كولي” (الذات المرآتية)(٢). بداية بتصور المرء كيف يبدو أمام الآخرين فيقصد الأفعال التي تعزز تصوره.، ثم يتخيل نفسه مكان المتفرجين، وكيف بدوتُ أمامهم؟ يتلوها الاستجابة النفسية بالفخر إن وجد تفاعلاً و تصفيقاً، أو الاحتقار إن وجد بروداً وتجاهلاً، فجعل قيمة ما يطرح تفاعل الآخرين معه، وليست معايير موضوعية، أو حقائق معرفية، بل انطباعات ذاتية تحكمها أذواق رائجة، وفي تفسير آخر يرى “جورج هربرت ميد”(٣) أن الميزان هو صوت المجتمع في عقل الفرد. وهي الصورة الذهنية التي تنشأ عن توقعات نظرة المجتمع، فيتخذ الفرد معها أسلوب التقليد لما هو رائج. ثم التقمص بتركيز، ثم ينتقل إلى التقليد ومعرفة أدوار غيره، ليجاري ما هو رائج في الترندات. أما “إكسيل هونيث” فاستعار فكرة الصراع عند هيجل، وعنّون لها بـ (الصراع من أجل الاعتراف) إذ يزعم أن المرء يسعى للاعتراف بالحب، ثم ينتقل إلى القانون والحقوق، ثم ينتهي بالتضامن والتقدير الاجتماعي، ولئن كانت مرحلة الحب غير ظاهرة في تتبع الترندات، لكن مرحلة الاستحقاق والبحث عن التقدير والمكانة ظاهرة لمن تأمل! وفي النهاية يطل علينا “ليون فيستينجر”في نظرية (المقارنة الاجتماعية) ومن أفكارها أن نقيس قيمتنا وما نطرح، بناءً على موقعنا من الآخرين ومكانتنا من الآخرين. فإذا ضعفت المعايير الموضوعية، لجأنا إلى المقارنة الاجتماعية، بأدوات القبول المجتمعي، وهذا ما يحدث في الترندات الرائجة.
تحرير أ. عبدالله السليم
(١)من الأمثلة صفحات الأعلام الشخصية وأثرها على العالم أثناء الإنتخابات الأمريكية.
(٢) في كتاب الطبيعة البشرية والنظام الاجتماعي.
(٢)وسماها (الآخر المعمم)في كتابه:العقل والذات والمجتمع.