مقالات اجتماعية
دور النشأة في صياغة الهوية (١/٢)
دور النشأة في صياغة الهوية
(١ / ٢)
كانت مدينة دمنهور مدينة تجارية حديثة تسود فيها العلاقات التعاقدية التي تسود في المدن والمجتمعات الحديثة، ولكن تحت القشرة الحديثة كان هناك مجتمع تقليدي، جماعة مترابطة متراحمة، لم تكن العلاقات فيها مبنية على المنفعة واللذة فحسب؛ إذ كانت هناك حسابات أخرى غير مادية وغير أنانية تشكل مكوناً أساسيا في هذه العلاقات.
فعلى سبيل المثال: كنت ألاحظ علاقة والدي بالعمال داخل متجرنا، كان والدي ولا شك هو صاحب العمل الذي يدفع لهم أجورهم، ولكن التفاوت الاقتصادي والصراع الطبقي كانت تقلل من حدتهما العلاقاتُ التقليدية التراحمية والواجباتُ الاجتماعية والأخلاقية الملقاة على عاتق والدي بحسبانه “معلم كبير” وصاحب العمل.
وأسلوبُ حياة العمال وصاحب العمل كان أسلوباً واحداً، الأعياد هي هي، والأحزان هي هي، واللغة هي هي، وطريقة الطعام هي هي، جميعهم كانوا يلبسون بنفس الطريقة ” فالملابس الغربية كانت لاتزال هامشية”، جميعهم كانوا يحتفلون بمولد النبي ولا يحتفلون بأعياد الميلاد ورأس السنة، جميعهم كانوا يصلون معاً، ويعملون معاً، يقضون أوقات فراغهم معاً، وكان أولاد التجار والعمال والموظفين ينْفِضُون عن أنفسهم انتماءاتهم الطبقية بعد الظهيرة ليشتركوا معاً في اللعب، فلم تكن الألعاب الالكترونية الحديثة قد ظهرت بعد.
وأعتقد أن علاقتي بدمنهور بماضيها وحاضرها، وهذا الجانب في خلفيتي الثقافية هو ما جعلني “لا أنبهر بالمجتمع الأمريكي”، وهو ما جعلني “أحاول اكتشاف الأدبيات الاحتجاجية في التراث الغربي”، فنقطتي المرجعية كانت دائما هي المجتمع الزراعي التراحمي.
ومن الطريف أن أحد أساتذتي بعد أن قرأ رسالتي للدكتوراه، بما فيها من ثورية ورفض للرؤية الأمريكية واقتصاديات السوق الحر وصفها بأنها رسالة ذات توجه ماركسي إقطاعي جديد!
د. عبد الوهاب المسيري في مذكراته ( رحلتي الفكرية)، ( ص: ٦٤ – ٦٦) بتصرف.