مقالات اجتماعية

دوامة المشاعر في زمن السرعة

أ. عبدالله السليم يناير 11, 2026

تتقلب النفس البشرية في دوامة من الأحاسيس والمشاعر، فتحب وتبغض وتخشى وترغب، وتُشبع نهمة وتُحجم أحيانا، وتتخذ وسائل للتعامل مع تلك الدوامة -والتي يفترض- أن تكون برشد واعتدال.

تتسم العصور الحديثة بمجتمعاتها وأدواتها وتقنياتها بسمة الاستهلاك بل التطرف في الاستهلاك، استهلاكاً للموارد واستهلاكا للقيم واستهلاكاً للحياة، وإن مما ظللت عليه حمى الإسراف التطرف في المشاعر والغلو في تحصيل أكبر قدر منها، وهي حالة أنتجتها البيئة الحديثة إذ أخّرت الإنسان وجعلت مرتبته متراجعة مقارنة بالآلة والتقنية، وكردّة فعل صار أي بريق للإنسان يخرجه من صنمية الآلات يغلو في التعاطي معه، ولربما بحث عن أي وسيلة تُشعره بالسعادة أكان مادة “اكلينيكية”(١) أو ممارسة شخصية(٢)أو أسلوب حياة(٣)فإذا عرف درب الوسائل المحفزة للدوبامين اعتاد عليها ثم أدمنها، وعلى الجانب الآخر يقف شخص آخر يسوّق ويقايض ويبتاع الوسائل المخفزة للدوبامين، فيصير شعور السعادة سلعة تعرض وتباع في الأسواق، وإذا تم تصنيف الحصول على الدوبامين المورث للسعادة -حسب ظنهم- سلعة رأسمالية حُكمت بقوانين السوق من عرض وطلب وزيادة الانتاج وتنامي عملاء، فيُصنع ما يضحك ويثير سواء أكانت جرعات أو مواد إعلامية، وربما صنع ما يغضب لتستجدي مواداً محفزة للدوبامين تسرّي عنك، ومردّ كل هذا وصول المتعاطي لمحفزات الدوبامين للذة يظن أنها السعادة، والمشكل في هذا ليس السعي خلف اللذة بذاتها؛ فإن للنفس جيوباً تريد التلذذ، وإنما المشكل الحصول على اللذة بغير وجهها، والإسراف منها وإدمانها، وجعلها روح ومعنى حياة الشخص، والظن أن اللذة هي السعادة قصور في معنى السعادة، فإن السعادة حالة مستدامة تتغذى من موارد عدة حتى تصل بالمرء إلى السعادة، أما ما يورثه الدوبامين فهي لذة عابرة تقيد المرء وتجعله يرغب أن يعاود استهلاك ما يحفز الدوبامين لديه حتى يدمنه؛ لذا يغلب على بيئات الإدمان تطرّف في حال(٤)أو عدم استقرار في الحياة مع جفاف في الروح وضعف في التدين وغيرها من العوامل والظروف التي توقع المرء بالإدمان.

تحرير أ: عبدالله السليم

(١)مثل الحبوب والأدوية والمكملات الغذائية والمواد المخدرة.

(٢)ذكرت كاتبة أمة الدوبامين حالات عن إدمان الجنس وعمليات التجميل أو الغطس في الماء البارد.

(٣)مثل ممارسة الرياضة.

(٤) كحالة الفقر أو الغنى الذي ينهك المرء بالعمل.