مقالات عامة
حينما يكون ضمور الوعي سبباً في الهزيمة
“حينما يكون ضمور الوعي سبباً في الهزيمة”
حين نظرتُ من حولي وجدتُ أن المواطن الأمريكي الذي ينتخب أعضاء الكونجرس ومجلس الشيوخ ورئيس الجمهورية التي تريد أن تحكم العالم، وجدت أن هذا المواطن الطيب الساذج لا يعرف شيئا عن علاقة الاقتصاد بالسياسة، وعن آليات الاستغلال الاقتصادي، وهو جاهل تماما بما يجري في العالم، والحزبان الرئيسيان “الديمقراطي والجمهوري” لا يقدمان له برامج توعية سياسية، ويكتفيان بتقديم برامج متناثرة لا يربط أجزاءها رابط، حتى ترضي معظم الأذواق، إن لم يكن كلها.
وهي برامج تختزل تطلعات المواطن الأمريكي إلى بُعدِها المادي (الاقتصادي والجسماني) وتصبح المشكلة الأساسية والوحيدة هي إشباع تطلعاته الاقتصادية بشكل سريع ومباشر.
*ويتولى الإعلام الترفيه عنه وتفريغه من الداخل، من خلال تصعيد نزعاته الاستهلاكية والجسمانية، وحصره في عالم الحواس والسلع والمادة والأشياء*.
وقد نتج عن عملية التفريغ هذه:
أن الانسان الأمريكي انغلق على نفسه، وأصبح غير مهتم بالسياسة الخارجية وشؤون العالم، طالما “أن هناك دجاجة على المائدة”، فهو يترك مشاكل الدفاع والسياسة الخارجية للإدارة الأمريكية، ويركز هو على أمور معاشه، مثل: نوعية المدارس والمطافئ والرعاية الصحية والحالة الاقتصادية كما تمسه هو شخصياً.
{وأحد الأمثلة التي تبين خطورة التفريغ من الداخل ظهرت في}:
القرار الأمريكي الخاص بزج القوات الأمريكية في المستنقع العراقي.
فلم يدرك أصحاب هذا القرار أن الإعلام الأمريكي قام بتفريغ الإنسان الأمريكي ومن ثم الجنود الأمريكين تماماً من كل القيم المثالية والنضالية، وذلك من خلال التأكيد على تحقيق الذات والتوجه الشديد نحو اللذة.
كل هذا حول الإنسان الأمريكي إلى كائن اقتصادي استهلاكي على درجة عالية من الكفاءة في الاستهلاك.
والإنسان الاستهلاكي ليس له هدف محدد، فهو يرى أن الخلاص يأتي من خلال تحقيق الذات الذي يتجسد في معدلات الاستهلاك، كما أنه إنسان يبحث دائما عن الإشباع الفوري، ومن ثم فدرجة تحمله (عتبة التحمل كما في علم النفس) ضيقة للغاية.
فإرسال مثل هذا الشخص إلى بلد خارجية، استناداً إلى رؤية تتعلق بالسياسة الخارجية لا يفهمها ولا يكترث بها، ولدوافع تم إخفاؤها عنه، وهو على أية حال متمركز حول ذاته، باحث عما يشبع نهمه الاستهلاكي، فإنه لن يقاتل بضراوة ولن يتحمل أي ألم؛ فالإنسان لا يتحمل الألم إلا من خلال إيمانه بشيء ما يتجاوز ذاته الضيقة.
ألقت الإدارة الأمريكية بالجنود الأمريكين في أتون المعركة، وفوجئت بضعف تحمل الجنود الأمريكيين، وضعف تحمل الجمهور الأمريكي.
وحينما وصل عدد القتلى من الجنود الأمريكيين إلى حوالي ٨٠٠ قتيل، بدأ القلق يساور الشعب الأمريكي. وكنتُ أُذكِّرهم أن قلق الشعب الأمريكي في حرب فيتنام لم يبدأ إلا بعد سقوط ٢٠ ألفا من الجنود، فكانوا يحتارون من ملاحظتي هذه، فهم لا يعرفون أن الخريطة الإدراكية الأمريكية مع تصاعد التوجه نحو اللذة ومع تصاعد معدلات الاستهلاك قد تغيرت تماماً، إذ قوضت كل مثاليات الإنسان الأمريكي بما في ذلك إيمانه بالوطن وبالإمبراطورية، وبضرورة الدفاع عنها بضراوة.
د. عبد الوهاب المسيري في مذكراته (رحلتي الفكرية) بتصرف، (ص:٢٣٤) و ( ص: ٣٥٥-٣٥٦).