مقالات عامة
تشظّي العلوم الإنسانية وتوالد فروعها
تشهد كثير من العلوم الإنسانية حالة من التشظي والتقسيمات، تؤدي أحيانا إلى نشوء علوم من رحم العلم الأم، وتأتي بأدوات جديدة مضارعة لأدوات العلم الأساسي وقد لا تكون مثبتة في العلم الأساسي، وإنما مستلهمة أو مستفادة من حقول علوم أخرى، في علم التاريخ ظهر علم: فلسفة التاريخ، أو تفسير التاريخ، فما هي أبرز الأدوات التي ميزت هذا الفن؟
قبل الدخول في أدوات علم تفسير التاريخ نشير إلى أن تفسير التاريخ هو ذلك العلم الذي يبحث عن أسباب الحوادث التاريخية، ويستشرف نتائجها، أما عن الأدوات يذكر من يتكلم في أدوات تفسير التاريخ أن هناك مفسرين للتاريخ استندوا في تفسيرهم على أسباب دينية، يقابلهم من استند على تفسيرات منطقية أو مادية أو عقلانية؛ وذلك في حالة المفاصلة بين الدين والعلم في سياق الحضارة الغربية، بخلاف الحضارة الإسلامية، فسياق تفسير التاريخ في الحضارة الإسلامية يرجع أصلا إلى الوحي قرآنًا وسنة، ولا ينفي التجارب والمعارف الإنسانية، فكتاب الله وسنة رسوله الكريم -ﷺ- احتويا قصصًا قُصد منها العظة والاعتبار، وهذا فحوى تفسير التاريخ الذي ينظر إلى الماضي ليؤوله طبقًا لرؤيته إلى المستقبل الحضاري لمجتمعه، والشاهد أن أدوات علم تفسير التاريخ الذي يهتم بأحداث وردت في الوحي تتقاطع مع أدوات النظر اللازمة في علم التفسير والحديث، بل إن أشبه علم بالتاريخ في الحضارة الإسلامية علم الحديث، كطريقته في إثبات الواقعة التاريخية وطريقة النظر فيها “ما سُمّي بالسند والمتن” ولا تقل أدوات علوم أخرى مثل الفقه والسياسية الشرعية والعقائد أهمية وإن كان حضور غيرها أكثر في تفسير التاريخ، يقول د.عبد الحليم مهورباشه في سياق حديثه عن تفسير التاريخ عند ابن خلدون: “فصحيح أنه اقتبس هذه القاعدة من علماء الحديث والمعروفة بقاعدة الجرح والتعديل، لكنّه طورها لدراسة الوقائع التاريخية…”
أما في الجانب الآخر ممن حاول تفسير التاريخ في سياق العصر الحديث فما من رمز إلا وبنى نظريته التفسيرية على نظريات وأدوات علوم أخرى وإن كان منطلقهم فكرة نظرية التطور لكن كل فرد عالجها بطريقته واستعار أدوات من خارج سياق علم التاريخ ليفسر بها التاريخ، ولا مناص للناظر والقارئ لتفسير التاريخ من التعرف على تلك الأدوات سواء كانت مستعارة من المنطق أو الاقتصاد أو فقه اللغة، فالمؤرخ جون باتيستا فيكو 1744م دعا إلى ضرورة أن يستعين المؤرخون بفقه اللغة والفلسفة لتفسير التاريخ، ولم يبتعد هيجل 1831م حين اعتمد الفلسفة في الكتابة التاريخية، أما الماركسية فقد اعتمدت على أدوات الاقتصاد السياسي وفلسفة هيجل المثالية والفكرة الاشتراكية الفرنسية ثم صاغت نظريتها معتمدة على كل أدوات هذه العلوم، فلن يُفهم تفسير التاريخ عند كارل ماركس 1883م دون فهم الأدوات التي استخدمها مثل الجدلية، وكذلك تفسير التاريخ عند توينبي 1975 إذ اعتمد على فكرة التحدي والاستجابة من علم النفس، يقول أنور محمود الزناتي: “… فيفسر توينبي نشوء الحضارات الأولى من خلال نظريته الخاصة الشهيرة بالتحدي والاستجابة التي اعترف أنه استلهمها من علم النفس السلوكي”
من خلال هذا العرض الموجز عن استعارة أو استفادة علم تفسير التاريخ من أدوات علوم أخرى، فإنه يُفضّل للمهتم والقارئ للتاريخ وتفسيره أن يحقق الحد الأدنى في فهم تلك الأدوات، وأن يعلم أن الإغراق في التخصصات على مافيه من التجويد إلا أنه يحجب الرؤية الشاملة للمعارف والعلوم.
تحرير أ. عبدالله السليم