مقالات عامة

بوصلة الحضارات في وصف الإنسان

أ. عبدالله السليم يناير 13, 2023

تدور بوصلة الحضارات حسب اهتماماتهم وحقول دراستهم وتوجيه نظّارهم لأهمية أمرٍ ما، فحينما ألّهت بعض الحضارات”العقل” حاولوا قصر الإنسان عليه، فقالوا “حيوان عاقل” وشققوا في أوصاف العقل وأفعاله، وحينما حاولت بعض أطوار الحضارة وصف الإنسان بالقوة والاستغناء بهذه القوة حتى عن الإله جاءت معاني الإنسان الذي لا يُقهر، وشبّهوا الإنسان بأقوى ما عرفوا من الحيوانات، وهكذا فكلما أولت حضارة الاهتمام في أمر انصبت مشاريعهم على هذا الشيء.

سار مسيرة الحضارات على  هذا المنوال، واستقرت الحضارة المعاصرة على مفاهيم متشعبة من أظهرها وأكثرها تاثيراً وحضوراً “طغيان المادية” والتفنن في تحصيلها حتى لو قُدمت على غيرها كالإضرار بالأرض بغية الاستكثار من المادة، وإمكانية التخلي عن القيم كالحياء والتقوى في سبيل تحصيل المادة، والتضحية بأمم وشعوب مقابل فتات من المادة، وحين نصِمُ المادة بأوصاف السوء إنما نريد تخفيف أُوارها في واقعنا لا إنهاء تأثيرها، ونسعى لوضعها في مكانتها المستحقة، والسؤال الذي ينبغي له التقديم، لماذا الحديث عن المادية؟

يلاحظ أنه كلما تقدم الزمن تبوءت مقعداً طاغياً في نفوس الناس، حيث أصبحت -أحياناً كثيرة- معياراً للحكم على الأمور، في تسلسل يطول ذكره حينما قصرت الحضارة المعاصرة العلم على المحسوسات، وتخلّت عن الماورائيات.

أن كثيراً من مؤثرات الحياة المعاصرة مرتبط بالمادة، فالإعلام لم تعد غايته التوعية فحسب بل تطلّب المادة مُقدم على التوجيه، وغاية الاقتصاد الربح والخسارة بغضِّ النظر المعانى الأخرى كالحلِّ والحرمة، والفلسفة وعلم الاجتماع حاولت تفسير الإنسان وتفكيكه كأنه مادة ثم نزعت كل ما سوى المادة، وعمود الساسية قائم على المنفعة المادية.

أن طغيان الجانب المادي أفرز عللاً كالاغتراب والفردانية، وجعل في الحياة جفافاً ووحشة، لأجل هذا هي دعوة لإعادة التوازن في إحياء الروح والمعاني الإنسانية والنظر في المادية من جديد.