مقالات اقتصادية
النقد السليم ودوره في جودة الحياة
من المواضع التي مرّ عليها كتاب “معيار البيتكوين” موضع النقد السليم ودوره في جودة الحياة واستقرارها، وقد أفاض مؤلفه في استضافاته في برامج البودكاست ووضح أكثر مما في الكتاب، ثم بيّن في كتابه بالأرقام والبيانات والجداول والإحصاءات تميّز النقد السليم عن النقد الرديء أو غير السليم- كما سمّاه- وألمح إلى أن استقرار المجتمعات بدءً من الأسرة مرتبط بالنقد السليم المتمثل تاريخياً بالذهب، فما هو النقد السليم؟ وما مميزاته وكيف يؤثر على يؤثر على أهم منظومة مجتمعية وهي الأسرة؟
إن أظهر مثال للنقد السليم عبر التاريخ ومرشح للمستقبل هو الذهب؛ إذ تميّز عن غير من أصناف النقد الأخرى من فضة وألماس وأوراق نقدية بعدة سمات، مما جعلت قيمته مرتفعة مستقرة، منها: الندرة، وكل المعادن والنقود التي زاحمت بعض وظائف الذهب في الندرة -كالخرز في غرب إفريقيا، وأحجار الراي – فندرتها نسبية أو مكانية أو قضى عليها التقدم الصناعي، والسمة الثانية: صعوبة الانتاج؛ مما يجعلها محافظة على قيمتها عبر الزمن ومحددة الكمية، وفي مأمن من الوفرة التي تؤدي إلى التضخم، فليست الوفرة في المال راجعة إلى ظروف أو حالات مجتمعية فحسب بل بطباعة الكثير من النقود دون غطاء ذهبي، تلك هي أشهر سمات النقد السليم الذي عاشته الحضارات البشرية إلى بداية نذر الحرب العالمية الأولى، فاستبدلت الدول المتصارعة الاعتمادَ على الذهب بالأوراق النقدية من غير غطاء ذهبي، فأدى ذلك إلى التضخم وهي نتيجة طبيعية في الاقتصاد – وللاستيضاح يراجع قيمة المارك الألماني قبل وبعد الحرب- والتضخم بوجه آخر يُفقد المال جزءً من قيمته بنسب متفاوتة يظهر هذا التغير مع ماتقابله الأوراق النقدية من السلع وتغيّرها بمرور الوقت، وقد ذكر الكاتب أن الاعتماد على النقد غير السليم قوّض استقرار المجتمعات بدءً من الحروب الشاملة إلى تقويض مؤسسة الأسرة، فكيف تُفسر اجراءات تلك السياسات النقدية وأثرها على الأسرة؟
لعل من لديه اهتمام في أسلوب عمل الأوراق النقدية مع ما ذكرنا من سمات النقد السليم يعرف إلى أي مدى يصل تأثيرها في جوانب الحياة ومنها الأسرية، فمن ركائز استقرار الأسرة ومقوماتها استقرار الحياة الاقتصادية وهي أكثر تأثيراً في العصر الحديث من العصور السابقة، والادخار هو الأسلوب لبناء خطط مالية أسرية -وحسب زعم الكاتب ويؤيده الواقع- فإن التضخم في العملات النقدية سواء كانت عملة صعبة أو غيرها جعل الادخار لا يوازي معدّل التضخم السنوي؛ إذ انخفضت العملات النقدية وارتفعت قيمة السلع والخدمات والعقارات عما سبق لعدة أسباب من ضمنها التضخم، فأصبحت مدخرات الأسر عُرضة للنقص بدلاً من الزيادة، وقد أدّى ذلك إلى تراجع الفرص لأفراد الأسرة من ناحية التعليم والمسكن، أما إذا رأيت إلى نتائج التضخم فقد أدى إلى اتساع حالة الفقر ومنها إلى تفكك الأسر؛ إذ يضطر الأبوان للعمل غالب اليوم في بعض المجتمعات لتحصيل كفاف العيش فتذهب بذلك روح الحياة الأسرية وطمأنينتها، أما إذا كان العمل مقتصراً على أحدهما فإن ما يحصلّه لا يرتقي إلى حد الكفاف، وهناك وجه آخر لتأثير حالة الفقر الناجمة من عدة أسباب أحدها التضخم، وهو عدم إنشاء الأسر فضلاً عن استقرارها ومن يطالع البلدان التي مُنيت بعدم استقرار العملة وسعر الصرف وتعويم العملة… يجدُ الانصراف والعزوف عن الزواج موازيا لعدم استقرار الأوضاع الاقتصادية، والمُراد من ذكر تلك التفاصيل: أن دوائر الأثر والتأثير على المجتمع متعددة لا يجب أن تُحصر بجانب دون الآخر، وأن صدى الإجراءات مما ظُن أنها غير مباشرة فإن لها تأثير ولو بعد حين، وأن الوعي بمثل تلك القضايا يدفع المرء للتفكير وإيجاد حلول خاصة ومجتمعية ومؤسسيّة.
تحرير أ. عبدالله السليم