مقالات اجتماعية
الضعف والهشاشة النفسية عند الأجيال اللاحقة (١/٢)
الضعف والهشاشة النفسية عند الأجيال اللاحقة
١/٢
يتعجب المرء حينما يقلب صفحات تاريخ الشخصيات الملهمة وبلوغها قمة النضج في أعمار ما يسمى الآن “المراهقة” فأسامة بن زيد –رضي الله عنه- يُقلد جيشاً ولمّا يبلغ حينها العشرين، ومثله محمد بن القاسم يفتح بلاد السند في الثامنة عشر! يساءل المرء نفسه، هل هي مقتصرة على ما منحهم الله من توفيق وكرامة فحسب؟ أم هناك سنة كونية زائدة على تفضيل الله لهم؟ لكن؛ أليس في أجيال قريبة” آبائنا أو أجدادنا” من تسند له مهام في عمر(14) يتهيب لها من بلغو(18) في الجيل الحالي؟ ألم يكن باستطاعة الشاب/الفتاة في هذا العمر أن يلج عش الزوجية ويدير مؤسسة الأسرة بكفاءة عالية؟ هذه الملحوظات ليست وليدة مجتمعاتنا الإسلامية، بل هي حاضرة سالت لها قرائح ومداد مفكري الغرب ومثقفيه أعني بذلك سمة “الضعف والهشاشة عند الأجيال اللاحقة”
من الكتب التي راجت في أوساط الفكر والثقافة والتربية ونحتت مصطلح بلغ الذروة كتاب “الهشاشة النفسية” د.إسماعيل عرفة، وكأنما دق أجراس الخطر في ملاحظاته لبعض المظاهر التي تنم عن الضعف النفسي الذي قد يكون وصمة على الجيل القادم؛ إذ أن ضعف الفرد يؤدي إلى ضعف في المجتمع؛ فالمجتمع مجموعة أفراد، نسرد مستعينين بالله مظاهر هذه الهشاشة ومغذياتها للتنبيه ومحاولة التخلص من آثارها، مع أن معالجة هذه الأمور وتلمّس مسبباتها يطول، وقد يكون حاضراً في ذهن القارئ، لكن إقامة البراهين على اتصال الأسباب بمسبباتها، ومدى تأثير هذه الأسباب، مع دراسة سياق الحالة الزمنية التي أفرزت هذه المظاهر محلّه الدراسات الميدانية والأكاديمية، فمثلاً: تصويب النظر إلى تنقل المجتمعات من زراعية إلى صناعية إلى المدنية الحديثة وما أفرزه من تفكك الروابط الاجتماعية التي كانت ممتدة في حياة الأشخاص، مما أنتج مجتمعات أصغر ولا زال هذا التشظي سائراً في دربه مشعلاً نمط تضخيم الأنا والفردانية والضعف في نفسية وأسلوب الأشخاص… فالعوارض النفسية للفرد كالهشاشة النفسية والضعف لابد أن تنعكس على تكوين المجتمع.
الناظر في إشكالية “الهشاشة النفسية” يدرك اختلاف طبيعة المؤثرات، فمنها ماهو راجع إلى التنشئة الاجتماعية، كالإفراط في حماية النشء من قِبل الآباء ويغيب عن أذهانهم أن محاولة الحماية عن كل مايؤذي الناشئ هو أكثر ما يؤذيه، حيث لا يستطيع الطفل – الذي سيكون شاباً/فتاة – بناء خبرات ذاتية من التجارب، والجهل بعيوب النفس التي قد لا تمكّنه من أداء بعض المهام أو عدم استطاعته، ومن المفارقات العجيبة أن “الخارج/الواقع” يزداد توحشاً وشراسة إذ يفترض على الآباء تعويد الأبناء على تحمل المسؤوليات وتهيئتهم لطبيعة الحياة ،في لقطة من رواية رجال في الشمس يقول بطل الرواية “تأتون إلينا من المدارس مثل الأطفال وتحسبون أن الحياة هينة”، وقد أشار الرافعي في وحي القلم أن ضعف الطباع واسترسالها إلى الدعة والراحة يرجع إلى فرارها من حِمل المسؤولية، والواقع أن كثيراً من الآباء والمربين يزدادون حماية لأبنائهم حتى إذا انفكوا عنهم لم تكن لديهم لياقة ومناعة يواجهون بها تحديات الحياة، ومن المظاهر تربية الشاب/الفتاة على التميّز حتى لو لم يكن يستحقه! وصرنا نرى من يؤدي عن ابنه مهام ومتطلبات الحياة – كالإجابة في الاختبارات- تطلُباً لتميّز ابنه، ولا يُبالغ أن توصف هذه التصرفات بأنه غش للرعية، يشعر الابن بالغش حينما يضطر إلى المواجهة والتفاعل مع طبيعة الحياة فلا يجد ذخيرة كافية لذلك، ومن المؤثرات في تكوين الهشاشة ما يرجع إلى ما تعلمه من المجتمع، وما عايشه من تقنيات أثرت على نفسيته مثلما استجد من وسائل التواصل الاجتماعي، والحضور القوي للعوالم الافتراضية(ألعاب-سينما..)وأصبحت هذه التقنيات تتفنن في التلاعب في مشاعر مستقبِلها، تضحكه تارة وتبكية برهة، يصنع –الشاب/الفتاة – من مثاليات الرومانسية والقصص المستناه واقعاً يحاول يتمثله الشاب/الفتاة، فمنذ رواية “آنا كارنينا” – عن تلك الزوجة التي هربت من زوجها ومجتمعها وضحّت بأسرتها وأبنائها وطبقتها الاجتماعية لمشاعر إعجاب لرجل أجنبي…حتى لفظها في نهاية المطاف ، ليست إلا واقعاً يعاد تمثله وتطبيقه من بعض مراهقي جيل “رقائق الثلج” وما زالت آلة السينما تبث أمثال هذه القصص حتى صار ما يتابعه الناشئ مرجعاً يتكئ عليه في تصرفاته، ومن الأمور التي طرأت على مجتمعات النشء بسبب قوة صناعة هذه الوسائل تضخيم الألم، وتُفهم هذه النقطة في سياق مسيرة المجتمعات الغربية التي أعلت من مبدأ اللذة حتى جعلته أسّ الحياة، مع تضاءل حضور الدين والجانب الروحي بمعرفة حقيقة الدنيا، وأنها دار كدرٍ، لكن الغريب تسرّب هذا السلوك-تضخيم الألم- إلى المجتمعات الإسلامية؛ حيث تأثير الدين وقضاياه في وجدان عامة الناس، إلا أن يكون هذا محاكاة لما يُقال في المجتمعات الغربية وصدى لهم، أو بداية ضعف في مفاهيم الدين.