مقالات عامة
السياحة الرمضانية: قراءة في المصطلح
لأول وهلة طرق سمعي عنوان “السياحة الرمضانية” صمتُّ مستغرباً متسائلاً عن ارتباط معنى السياحة المشهور اجتماعياً مع الشهر العظيم رمضان، علمت مقصد ذاك المصطلح أنه مستند إلى تفسير غير واحد من السلف كلمة (السائحون) التي وردت في سورة التوبة أنهم الصائمون، لكن ما علاقة عبادة الصوم بمفهوم السياحة عندهم وفي مفهومنا المعهود؟
إن مما يُعلم اشتمال بعض الألفاظ في اللغة معانٍ متنافرة أو متداخلة وفي هذا كان اختلاف المفسّرين في كلمة (السائحون)، إلا أن المعاني الأخرى لا تعارض بينها، ويصنَّف هذا في عرف المفسرين اختلاف تنوع لا تضاد، وهو ما يمكن أن يتضمن أحد المعاني معنى الآخر، وإذا أردنا أن نزاوج بين مفهوم الصوم والسياحة – على غير تفسير الصوم – وجدنا تقاطعاً وتوافقاً، فالصوم إمساك عن المفطرات مؤدٍ إلى تقليل الطعام والشراب وهكذا الضارب المسافر فإن حالة تنقّله تضطره أحيانا إلى تقليل الطعام والشراب، وهذا وإن كان تفسيراً مادياً ، فإن الصائم مع حالة التقلل من الغذاء يخرج من حالته المألوفة طوال العام إلى حالة تأله وتعبّد في شهر الصوم أحدها التعبد والامتثال بترك المفطرات والتعرّض لنفحات المغفرة والرحمة التي تغشى شهر الصوم من ذكر وتفكر وقراءة للقرآن وتدبر معانيه مع خلو بطن يهبُ للنفس سكينة وطمأنينة، أشبه المسافر الذي ترك داره ضارباً في أرض الله يبتغي رزقاً وفضلاً ، وهكذا فإن الصائم زاده ما يستقر في قلبه من ذكر وقراءة وتدبر، وحالة انقطاع عمّا ألِفهُ طوال عامه، وأسلوبه الهجرة والخلوة مع ربه والإنابة إليه، وما توافر زمنٌ فيه وفرة عبادات وبيئة تدعو إلى الإنابة إلى الله مثلما في رمضان؛ فمنادي المغفرة ينادي، والشياطين مصفدة، نهار مملوء بأوقات المغفرة واستجابة الدعوات، وليل عامرٌ بالتعرض للمغفرة والعتق من النار وهكذا حال السائح منفك عن أرضه ومهاجر وتارك عما اعتاد عليه من الأمور، يورثه رؤية وحالاً مختلفة عن البيئة المعتادة؛ فإن للغريب عيوناً ترى مالايراه المقيم، وإن للصائم رؤية ينظر بها ما ينظر غيره.
يقول د. خالد السبت:
“ووجه الارتباط مع المعنى هنا (الصائم والسائح)أن مَن يترك الملاذ يشبه السائح، يعني الذي يذهب في الأرض فإنه يتقلل ويترك كثيراً من ملاذه من النوم، والراحة، والأكل، وما اعتاده؛ وما أشبه ذلك فيفطم النفس عن كثير من مألوفاتها، فقالوا هذا يشبه هذا، فالصائم يترك هذه الشهوات لله ، يترك ما اعتاده من أكل، وشرب، ونكاح؛ طلباً لمرضاة الله”