مقالات عامة

السواء النفسي وجودة الحياة: قراءة نقدية

أ. عبدالله السليم أغسطس 25, 2025

تعتبر حالة السواء الصحي والمزاج النفسي من المؤشرات والمعايير التي كثر طرحها وذكرها وقياسها في العصر الحديث، وما علمُ النفس الغربي وأصداءه في آفاق المعمورة، وما بُني عليه من تعزيز واهتمام بـ جودة الحياة و السواء النفسي إلا مظهراً للاهتمام بهذه القضية بين أفراد المجتمع.

إن الدولة الحديثة والعولمة التي ضربت المجتمعات البشرية في جوانبها الاقتصادية والاجتماعية وارتداداتها النفسية على أفراد المجتمعات الحديثة بأنماطها المعاصرة فرّخت حالة إنسانية لاهثة – حد الموت- نحو المادة وتضخيمها وربط كل مفهوم السعادة حولها، الإشكال هو في تضخم تلك الحالة واستبدادها زمناً بعد آخر، حتى صارت الدراسات الميدانية عن السعادة والكآبة مقتصرة على تحصيل المادة واستهلاكها؛ بناء على تفسير الإنسان المعاصر بأنه كائن مستهلك، ولابأس أن نشير سريعاً إلى بعض تفسيرات مفهوم السعادة في المجتمعات الحديثة، فقد دأب علماء النفس ورفاقهم من علماء الاجتماع بوضع معايير لتفسير سعادة المجتمعات منها: أن مفهوم السعادة منبثق من إعلاء المرء لنفسه وتقديره لذاته حتى تتواءم استحقاق الذات المتخيلة مع الواقع، ومنها ربط السعادة بكثافة مشاعر الهدوء وعدم التوتر، ومنها ربط السعادة بالمؤشرات الفسيولوجية ونشاط الدماغ: كالدوبامين وتحفّزه بتحقيق الأهداف واكتشاف الموارد، والسيروتونين وعلاقته بالشعور بالاحترام، والأوكسيتوسين وتقويته بالروابط الاجتماعية، والأندروفين وتسكينه للألم المحسوس، ومنهم من ربط السعادة بتعابير الوجه ونبرة الصوت…

وكل ما ذُكر من غث وسمين مردّه -عندهم- إلى الحالة المادية والاقتصادية للفرد والمجتمع، وأن رخاء الحالة الاقتصادية مرتبط بارتفاع معدل السعادة وانخفاض معدلات الكآبة، ومع ذلك فقد انتقضت -على سبيل المثال- تلك القاعدة في تقرير السعادة العالمي عام 2023 بتقدم مرتبة كوستاريكا على سنغافورة مع أن الأخيرة أكثر رخاء اقتصاديا من الأولى، وإذا عدنا إلى الحديث عن ارتفاع معدلات الكآبة في أقوى قوة اقتصادية في العالم(الولايات المتحدة الأمريكية) وقفنا أمام إشكالية يذكر مؤلف معيار البيتكوين السياق الذي رفع معدلات الكآبة؛ إذ يربط هذا بطبيعة نظام الأسرة في المجتمعات التقليدية وترابطه، وتفككه وانعدامه في المجتمعات الحداثية واصلاً خيط النظم بمؤسسة الأسرة التي تجعل كدح المرء وادّخاره المال ذو معنى، لا ما يبشّر به أرباب مدرسة اللذة الاستهلاكية، فمن أراد الخروج من شرنقة نظام الأسرة المفككة لم يجد دعماً ممن سبقوه ولا معنى لما يخلّفه فيسقط في وحل الكآبة… وعندنا أن معنى السعادة والكآبة أوسع وأكبر من حصرة بسبب واحد، ولعل حصره بسبب واحد نتيجة من حالة تفكيك الإنسان المعاصرة في المدارس الغربية؛ لأجل هذا فإن تفسير السعادة له أمشاج متعددة منها ما هو ديني يقوم بالتعلم والتزكية، ومنها ما اجتماعي قائم على المؤانسة والمشاركة، ومنها ما هو اقتصادي قائم على الاكتفاء وغيرها من الجوانب التي ربما تصنع بمجوعها السعادة للأفراد والمجتمعات.

تحرير أ. عبدالله السليم