مقالات تاريخية
الذاكرة التاريخية (١/٢)
الذاكرة التاريخية 1/2
على وقع التقارير والنشرات الإخبارية تطرقنا كثيراً بعض المصطلحات الجديدة أو المركبة أو الممزوجة، ومن تلك “الذاكرة التاريخية” ( Historical Memory )
فماذا يُقصد بها؟
يصعب إفراد كل تعريف للمصطلحين تعريفاً أكاديمياً ؛إذ الغوص في تعريف التاريخ مثلاً أُلِّفت فيه كتب وهذا مُدركٌ عند المختصين، ومثله الكلام عن مفهوم الذاكرة عند علماء النفس والأعصاب، إلا أننا نحاول فهم المصطلح فهماً أولياً وتقريبه للقارئ، فيقال : الذاكرة هي أحد مشكِّلات وعي الإنسان المستمد من مدخلات الوعي، والتاريخ : مامضى من الأحداث، وباعتباره لقباً فإن الذاكرة التاريخية هي نوع من الاندماج لتوحيد خيوط وأحداث ورموز مشتركة أو مقدسة أو مُفضلة وترتبط غالباً بالإقليم أو العرق “كالعروبة” أو دينية أو مذهبية بين مجموعة من الناس، وقد تكون متوازية كالإقليم والعرق.
قد يمر على الذهن تساؤل ما الفرق بين التاريخ والذاكرة؟ التاريخ متقدم على الذاكرة وهو عبارة عن أحداث ومسيرة حياة، والذاكرة هي فعل التذكر لهذا التاريخ وغيره، أما الذاكرة التاريخية فهي متعلقة بمواقف وانطباعات ويصاحبها أمور مثل الولاء والعصبية وتصنيف الفاعلين في أحداث التاريخ، يُمثّلُ لهذا النموذج: التعامل مع آثار الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939) وما تراكم عنها من ميراث ثارات وعصبيات، مع أن في تاريخنا أظهر وأوضح للفكرة.
وهنا تكمن أهمية الموضوع حيث إن التاريخ عنصر أساس للفلسفة ورؤية الحياة للناس وكما يقول غروتشي(إن التاريخ هو الفلسفة وإن الفلسفة هي التاريخ) وأوضح منه كلام أسد رستم في مصطلح التاريخ(على أنه لابد من الاعتراف بأن ما يحسبه المؤرخ المعاصر الحاضر يتوقف على الفلسفة التي يدين بها..)فسرد أحداث التاريخ والموقف منها وما يتولد عنها من تأييد يرجع إلى رؤية ذاتية لا موضوعية.
ومن هنا ندلف إلى ارتباط التاريخ “بالهوية” وتشكلها ولولا وصم الكلام بالدور لقلنا إن من مشكّلات الهوية الأحداث التاريخية، ويزاد هنا الذاكرة التاريخية مع حمل الانطباعات والمواقف تجاه تلك الأحداث، أو ما يسمى “التاريخ المشترك” لتلك الجماعة من الناس، ويُقدم على التاريخ من مشكّلات الهوية الدين فهو المرجعية الأساس – على الأقل في المجتمعات الاسلامية – في صياغة الذاكرة التاريخية، وإن أردنا عموم الكلام في عناصر الهوية التي تورث لأفرادها الذاكرة التاريخية فمنها: العرق واللغة، ونستطيع أن نستذكر أمثلة الأفكار التي طغت في أوربا بين الحربين العالميتين (الفاشية / النازية / السلافية) وقد أتخذت تلك الحركات أساليب لإظهار وتضخيم بعض الرموز والأحداث التاريخية، وأحياناً اختلاق وصناعة أساطير وبطولات، وبثها بين البسطاء والعامة على هيئة أمثال وفلكلورات شعبية، يوضح هذا قول جان لاكوتور : التاريخ الذي سمعه طفل صغير يجلس على ركبتي أمه وهي تزرد الصوف، وتقوم هذه الوسائل بتبسيط وتيسير الأفكار التي يُراد من عامة الناس تبنيها، يتزامن هذا قيام مثقفي تلك الحركات بما أُتوا بكتابة ونشر تلك المفاهيم في وسائل النشر والمناهج الدراسية، حتى يكون الجو مفعماً بتلك النظريات التي تصوغ هوية تلك الأمة، ومنها صوغ الأحداث والذاكرة بطريقة احترافية، ومحو ما يعارضها أو ما تقدمها كما فعلت الثورة البلشفية مع آثار وتاريخ ومسميات العهد القيصري، حيث صُودرت آثارهم وذهب تاريخهم في أدراج النسيان فلم يعد متداولاً في المناهج أو الصحف، بل غُيِّرت مسميات بعض المدن في عهدهم مثل :سانت بطرسبورغ سُمّيت لينينغراد أو فولغوغراد سُمّيت ستالينغراد ، ومن هنا ندرك أهمية المسميات لحفظ الذاكرة التاريخية للمجتمع، ويتخذون وسيلة أخرى لتعزيز هذه الذاكرة كنصب التماثيل والمجسمات لشخصيات في الميادين تخليداً لذكراهم ،فلو وصفت لك الآن ثمثال الجنود الممسكين بالعلم الأمريكي لعرفنا أنها أثناء اجتياح القوات الأمريكية لجزير إيو جيما أثناء الحرب العالمية الثانية، وأحيانا جعل ذلك يوم معين للسنة لاستذكار قصصهم ومآثرهم.
إذن فحقيقة الذاكرة كما اعتقد “هيوم” وغيره هي : إدراك الحدث ، ثم وصف الحدث حسب فهم الناعت، ويؤدي دائما – بقصد أو بغير قصد – إلى تغيير بعض الأوصاف، ثم محاولة بناء الاختيارات المستقبلية على ضوء الذاكرة التاريخية، ولنأخذ مثالاً تتمظهر فيه الذاكرة التاريخية: حضور المسلسلات التاريخية بشكل ملفت في السينما العالمية ومحاولة إدراج مضامين تتعلق بالهوية ، ولن يعيينا البحث في أذهاننا أو في محركات البحث، فكم مرة مُثّلت أحداث وتفاصيل الثورة الفرنسية وأبطالها؟ وكيف كانت الروح القومية في تلك الأحداث، بل إن المشاهد يصل في نهاية المسلسل / الفيلم إلى تمازج كأن الأحداث والأشخاص تمثله، ولو رجعنا بالتاريخ للخلف فحضور مسلسل الفايكنج وتعريف المشاهد على تلك الحقبة وأعراقهم ومسمياتهم وهيئات لباسهم وأسلوب حياتهم وعلاقات القرابة وتأثيراتها يتعزز عند ورثة أولئك القوم اعتزاز وعصبية، وهو حاضر كذلك في المسلسلات التركية