مقالات اجتماعية

الذات والأعراض في زمن التواصل الاجتماعي

أ. عبدالله السليم أبريل 21, 2026

قيل في تفسير الإنسان أنه ذات ذو أعراض. فالذات ما لا ينفك عنها وصفه، والأعراض ما أمكن زوالها عنه من غير ارتفاع اسم الإنسان عنه. فالجسد أظهر مثال للذات، وما يعتريه من مرض وجهد أقرب مثال للأعراض…

دأبت برامج التواصل الاجتماعي على اغتنام انتباهك، وشد انتباهك أطول مدة قدر المستطاع، وعلى هذا كانت المنافسة بين برامج التواصل الاجتماعي. فقدمت الخدمات والمميزات قيمة مقابل بقائك وقتا أطول، ومع كثرة برامج التواصل الاجتماعي واشعاراتها، وانتقالها من جعل المستخدم مستقبلِاً للمحتوى إلى كونه صانعاً أو مؤثراً أو معلقا برأي على المحتوى ، وكلما كان محتواه لافتا أو حصل فيه على تفاعل أو حصد إعجابات أو نيلَ منه كانت تلك الإشعارات أكبر دافع له في المشاركة والاستمرار، ومع تتبع ردود الأفعال نتيحة محتوى صادم أو مسايرة لتوجه سائد أو سيرا مع تيار جارف يجد الإنسان نفسه في خضم “الترند” وآثاره. فيدفعه إلى المزيد والمزيد. باعثهُ في ذلك إذكاء دوافع نفسية؛ فإذا حصد إعجابا فرح وإذا أُنكر عليه غضب وإذا نوقش انتعش، فتمرّ عليه أعراض متضاربة في لحظة واحدة، ولا شك أن النفس الإنسانية أضعف أن تتحمل تضارب المشاعر والأعراض ،فربما انتابه القلق ورحلت عنه السكينة، فبحث عما يُذكي نشوته ويضخّم الأنا لديه، حتى يصل أحيانا إلى سلوك قهري فتجده يفتح الجوال من غير قصد ويلقي نظرة على الإشعارات ولم ينوِ ذلك، يضحك لمن أفرحه ويغضب ممن أزعجه، فيكون في دوامة من القلق والترقب والرضا والسخط ووهم النجاح والخوف من الفشل والتشتت وقلة التركيز. فإذا استسلم واستجاب للأعراض الانفعالية المتسارعة جراء تتبع الترندات ومسايرة الإشعارات واعتمد عليها أدت إلى سلوك قهري يحتاج أن يتعافى منه، ألا يرى المرء أن تتبع الترندات ومراقبة الإشعارات تستهلك جهده وطمأنينته وتنال من ديانته وتضعف الانضباط وتؤخر الإنجاز وتجعله في حالة اغتراب يستغني بها عن العلاقات الاجتماعية الحقيقية. وما ذاك إلا بسبب تضخم الأعراض المتحولة ونسيان الذات الثابتة.

تحرير أ.عبدالله السليم