مقالات إعلامية

الدراما التاريخية والتوجيه الثقافي

أ. عبدالله السليم مايو 30, 2025

الدراما التاريخية والتوجيه الثقافي!

الدراما التاريخية ليست وسيلة للتسلية فقط، ولا مجرد تصوير لوقائع مضت، بل (وسيلة ناعمة لتمرير الأفكار في الحاضر).

فعلى سبيل المثال: يُعد مسلسل The Crown – العمل البريطاني الذي يتناول سيرة الملكة إليزابيث الثانية – من أعمق التجارب الدرامية التي لم تكتفِ بسرد الوقائع، بل سعت إلى تمرير رسائل معاصرة عبر بنية درامية محكمة ومضامين متعددة الطبقات.

من أبرز الرسائل التي يمررها المسلسل؛ ما يتعلق (بالحضور النسوي)، الذي وإن لم يُعلِن عن نفسه، إلا أنه فرض موقعه في المسلسل من خلال الإيحاء بالمعاناة التي حملتها المرأة داخل نظام عام يُدار بالوصاية السياسية والرمزية الذكورية.

لم تكن المرأة في المسلسل في الهامش أو ملحقة بالحدث، بل كانت جزءًا من صياغته؛ شخصيات مثل: مارغريت تاتشر، والأميرة ديانا، والأميرة مارجريت، لا تُقدَّم بوصفها تابعة أو مؤطرة، بل كانت بمثابة نقاط توتر مركزية بين البنية التقليدية للمجتمع وبين صوت أنثوي يسعى إلى مساحة مستقلة للاعتراف والتمثيل.

الملكة إليزابيث نفسها، لا تُقدَّم بوصفها رمزًا منزَّهًا، بل فتاة تحمل عبء التاج مبكرًا، وزوجها الأمير فيليب يظهر كمن يعيش في ظل سلطة زوجته، أما الأميرة مارجريت، فتمثل التوتر الحاد بين الفردانية وقواعد العائلة السياسية.

الرسائل في هذا العمل الدرامي لا تُعلَن صراحة، بل تتكوَّن عبر تفاصيل الإخراج: توزيع الضوء، الصمت، الموسيقى، الأزياء، بل وحتى ترتيب الجلوس في المشهد.

لا شعارات، بل إشارات هادئة تُنتج دلالات أكثر عمقًا وتأثيرًا.

المسلسل بذلك لا يطرح مواقف جاهزة، بل يدفع المشاهِد إلى إعادة تفسير الوقائع والتفاعل معها من موقع شخصي.

وهو ما يعكس استراتيجية أوسع في الدراما التاريخية: تمرير الرسائل المعاصرة عبر قوالب الماضي، لا بالمواجهة المباشرة، بل بالإيحاء السردي والبصري.

وقد جعل ذلك من The Crown عملًا يُقرأ أيضًا كإعادة كتابة تاريخية من زاوية نسوية، دون أن يسقط في المباشرة أو الشعارات.

ميزانية الإنتاج التي تجاوزت 13 مليون دولار للحلقة الواحدة، وتوظيف الأزياء والمواقع والموسيقى بدقة لافتة، كلها عناصر تؤكد أن الرسالة لا تُقدَّم فقط من خلال الحوار، بل من خلال لغة الصورة بكامل أدواتها.

وهكذا، يقدّم The Crown نموذجًا للدراما التاريخية بوصفها أداة توجيه ثقافي غير مباشر، لا تُعلِّم، لكنها تُعيد تشكيل الذائقة، وتُخاطب المشاهد لا كمستهلك للمعلومة، بل كفاعل في تمثّلها.

إنها دراما لا تعرض التاريخ من أجل التسلية، بل لإعادة تأويله، ولتشكيل قيم جديدة.

الدراما التاريخية ليست رواية للماضي وحسب، بل وعي يُبعث، وذاكرة تُبنى من جديد.